الزمن الجميل: غزة تغرس وتداً في جسد الاحتلال.. و “سيف القدس” تنسف أحلام المطبعين إلى الأبد

23 مايو 2021
الزمن الجميل: غزة تغرس وتداً في جسد الاحتلال.. و “سيف القدس” تنسف أحلام المطبعين إلى الأبد
عدن نيوز - وحدة التقارير (تقرير خاص) :

مدخل: بنجاح معركة سيف القدس التي أطلقتها مقاومة غزة تحققت مكاسب غير مسبوقة لعل أهمها: إحياء القضية الفلسطينية من جديد في وجدان الشعوب العربية، وإحياء روح واحدية النضال الفلسطيني وبث الحياة في جسد المصالحة الفلسطينية، ووضع الحكومات العربية التي أعلنت التطبيع مع إسرائيل في ورطة أمام شعبها وأمام الشعوب العربية.

“لا يشبه النصر الأخير بغزة أي نصر قبله، هو الأكبر والأعظم والأوضح، والمكتسبات التي تحققت به لا يمكن مقارنتها – بأي حال من الأحوال – مع المكتسبات التي تحققت للمقاومة طوال تاريخ الصراع مع دولة صهيون. نحن اليوم أمام مرحلة جديدة بمعادلات مختلفة وما كان قبل تاريخ بدء العدوان على حي الشيخ جراح مطلع مايو الجاري يبدو مستحيلاً بات بنظر الشعوب العربية ممكناً.. أقصد زوال دولة إسرائيل، وبالفعل لقد قصت غزة شريط زوال هذا السرطان الخبيث وما قبل اليوم ليس كما بعده..” بهذه الكلمات وصف الأديب اليمني محمد إسماعيل الانتصار التاريخي للمقاومة الفلسطينية في غزة على دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وفي فجر الجمعة أعلنت إسرائيل المهزومة وقف عملياتها القتالية، وعلى إثر ذلك انطلقت الاحتفالات العارمة مختلف المدن الفلسطينية وعلى رأسها العاصمة القدس التي تقاطر كل من فيها صوب المسجد الأقصى وهم يحتفلون بالنصر المؤزر على الصهاينة، ويجددون العهد داخل باحات أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين على الموت دفاعاً عنه وعن كامل التراب الفلسطيني.

وبالرغم من أن الأحداث استمرت لنحو 3 أسابيع فقط إلا أن جميع المراقبين والصحفيين والمهتمين بالشأن الفلسطيني وصفوا الهبة الفلسطينية الحالية بالانتفاضة الثالثة، وقد كانت كذلك بالفعل، فجميع مدن فلسطين هبت لنصرة الأقصى، وشهدت معظم المناطق اشتباكات مباشرة بين الشبان العزل إلا من سلاح الحجارة وبين جنود الاحتلال المزودين بأحدث الأسلحة الفتاكة.

عودة الروح للقضية المنسية

يقول مراقبون إن أهم مكتسبات انتصار غزة هو عودة الروح للقضية الفلسطينية بعد أن تعرضت خلال السنوات الماضية للتنكر والخذلان من الحكومات العربية، حتى وصل الأمر إلى قيام حكومات دول عربية عميلة تقودها الإمارات بإعلان التطبيع رسمياً مع الكيان الإسرائيلي، متوهمة أن القضية الفلسطينية أصبحت في هامش اهتمامات الشعوب العربية التي أصبحت مثخنة بالحروب والانقلابات والاضطرابات السياسية.

وما يثير الدهشة في هذا الجانب هو حجم الدعم والإسنادي الجماهيري الغير مسبوق من شعوب دول الخليج العربي تحديداً للقضية الفلسطينية، وهي الشعوب التي كانت تتهم بأنها أكثر الشعوب خذلاناً للقضية. حجم الإسناد هذا تؤكده الشواهد القاطعة، فما لا يقل عن 4 دول خليجية (السعودية والكويت وقطر وعمان) أطلقت حملات شعبية لإعادة إعمار غزة بمجرد أن توقف صوت المدفعية، هذا فضلاً عن التفاعل الشعبي الكبير في دول الخليج مع الهاشتاغات الداعمة لغزة وأبرزها هاشتاغ (غزة تحت القصف)، فيما بقي الصوت الإماراتي شاذاً ومصطفاً بشكل فج مع إسرائيل.

وكان للدور السعودي وخاصة قيادة المملكة دور بارز حفز الشعب السعودي وشعوب منطقة الخليج عامة على المجاهرة بالعداء لإسرائيل، وقد سجل الملك سلمان بن عبدالعزيز في هذا السياق موقفاً سيسجله التاريخ بأحرف من ذهب، حينما أصدر منذ الأيام الأولى للعدوان بياناً يستنكر فيه ما وصفه بالعدوان الغاشم على القدس وغزة، مجدداً التأكيد على أن لا حل إلا إن كات القدس عاصمة لفلسطين.

المطبعون.. الخاسر الأكبر

ويرى مراقبون أن قيادة الإمارات أصبحت “عارية” أمام الشعوب العربية بشكل غير مسبوق، الأمر الذي وضعها في مواجهة أكبر حملة تقريع شعبية في تاريخها، وهو ما اضطر العديد من كبار قيادة هذا النظام إلى محاولة تهدئة الوضع عبر الادعاء بأن أبوظبي لم تخن القدس وأنها لا تزال تدعم القضية الفلسطينية وأن ما تتعرض له الإمارات من حملات إليكترونية هو ادعاء ظالم واستهداف مسيس غرضه تشويه قيادة الدولة.

وعلى وقع انتصار القدس كان الألم كبيراً في تل أبيب، لكنه كان أكبر وأفدح في أبوظبي، وقد بدا ذلك جلياً في اختناق صوت الداعية المجنس “وسيم يوسف” وهو الذي يوصف بأنه لسان بن زايد، فقد أعلن توقفه رسمياً عن التغريد بمجرد أن أعلنت إسرائيل هزيمتها.

ومن المثير للدهشة هنا هو أن لسان بن زايد قد نال جزاءه في قلب مدينة دبي مساء اليوم، بعد أن هاجمه شاب إماراتي وطعنه وأحرق سيارته، وهو حادث له دلالات كبيرة تكشف مدى اتساع الهوة بين الحكام المطبعين وبين الشعوب الحية.

والواقع أن الإنفضاح الكبير لدويلة آل زايد “المارقة” كما يصفها الكاتب مروان غفوري وضعها في ورطة كبرى وأزمة سياسية غير مسبوقة، خاصة وأنها تعد قائدة سفينة التطبيع مع الاحتلال.

وفي هذا السياق يقول الكاتب اليمني ياسين التميمي: “تواجه الأنظمة المطبعة مأزقا حقيقيا بسقوط نموذج التطبيع بعد أن قال المرابطون كلمتهم، وهذه الأنظمة التي تقمع المظاهرات بقوة في عواصمها، باتت تستجدي دورا تلعبه من أجل التهدئة وإنهاء عدوان الصهاينة على الشعب الفلسطيني”.

واستطرد: “تكتسب هذه المعركة أهميتها الاستثنائية في كونها عزلت الصهاينة ووضعت من يدعمهم في موقف غير مسبوق”.

ولفت إلى أن “هذه المعركة أعادت تعريف القضية الفلسطينية كقضية عادلة تتجاوز التقسيمات التي فرضها الصهاينة والنفوذ السياسي لسلطة التنسيق الأمني في رام الله، وذكَّرتْ من يمارسون الوصاية الاسمية على المقدسات بأن الوصاية لها كلفتها التي ينبغي أن تدفع”.

فيما يقول الكاتب الأردني وليد الهودلي في مقال “هلك المطبعون” إن غزة كنست مشاريع التطبيع إلى الأبد وأن الحكومات العربية التي كانت تراودها أحلام التطبيع والإنضمام إلى معسكر الدولة المارقة أدركت بعد انقشاع غبار المعركة أن اتخاذ مثل هذه الخطوة سيكون بمثابة الإقدام على الإنتحار.

ويصف الكاتب اليمني يعقوب العتواني المطبعين بالقول: الخلاصة أننا أمام تيار بلا معايير ولا أخلاق، ويريد بأي ثمن أن يحرم الفلسطينيين من نصر استحقوه بصبرهم وثباتهم وبالكثير من التضحيات.. الوضيعون يريدوننا أن نعتقد أن غزة التي خرج أهلها احتفالاً بالنصر مهزومة وأن تل أبيب التي أغلقت الحسرة أفواهمم انتصروا”.

ويتابع: “انتصرت غزة ، وانتصرت بوضوح كامل وبعظمة غير منقوصة، والذين ينكرون هذا الانتصار لم يضيفوا شيئاً إلى انحطاطهم القديم في المعايير والأخلاق، لأنهم كانوا قد انحطّوا سلفاً إلى حيث لا قاع أبعد عندما أنكروا على الفلسطينيين حق المقاومة ودفع العدوان منذ البداية”.

يجدر الإشارة هنا إلى أن صورة إسرائيل في الخارج قد اهتزت بشكل غير مسبوق. ولطالما صرفت دولة صهيون ملايين الدولارات لجعل هذه الصورة ضمن إطار الشعب المظلوم الذي تعرض للهولوكوست في عهد هتلر ويتعرض اليوم لإرهاب المسلمين، لكن المشاهد الحية من القدس وغزة والصمود الأسطوري لأهلها قد نجح في إعادة تعريف القضية من جديد بالنسبة للمجتمع الغربي، ومزق – جزئياً – آلة التضليل والزيف الإسرائيلي التي ظلت مسيطرة على الوعي الغربي لعقود.

هذا الوعي الغربي المتعاظم والذي لا يزال بعيداً عن التأثير على صانع القرار المتآمر مع إسرائيل يمكن استثماره والبناء عليه، خاصة وأنه قد نجح ولأول مرة في الوصول إلى الكونغرس الأمريكي، وهو ما يضع القضية الفلسطينية أمام فرصة ذهبية للتقدم للأمام ويضع في ذات الوقت مسئولية أكبر على عاتق السلطة الفلسطينية لإعادة إحياء القضية الفلسطينية وفرضها من جديد في أروقة الأمم المتحدة كقضة عادلة لشعب صامد.