كشفت تقارير حقوقية وتقارير اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان عن وجود شبكة سجون سرية تديرها قوات إماراتية و”قوات النخبة الحضرمية” المدعومة منها في محافظة حضرموت، حيث مورست انتهاكات خطيرة شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب.
وأفادت تقارير اللجنة الوطنية، التي أوردها موقع “بران برس”، بأن هذه الانتهاكات طالت مواطنين من حضرموت ومحافظات أخرى، حيث تم نقل معتقلين من عدن إلى سجون سرية في حضرموت، دون إتاحة الفرصة لعائلاتهم للتواصل معهم أو معرفة مصيرهم.
وقائع اعتقال وإخفاء قسري
تضمنت التقارير وقائع مفصلة، منها اختطاف مدير قسم مكافحة المخدرات بالمحافظة في يونيو 2016 بعد استدعائه من مدير الاستخبارات، واقتياده إلى سجن الريان حيث انقطع أخباره تمامًا.
كما وثقت التقارير اقتحام قوة مسلحة منزل مواطن في المكلا فجرًا واعتقاله ونقله إلى مكان مجهول، حيث لا يزال مصيره مجهولًا حتى الآن.
سجون سرية وانتهاكات مروعة
كشفت التحقيقات عن وجود سجون سرية تشمل معتقل مطار الريان، ومعتقل ميناء الضبة، ومعتقل الربوة، ومعتقل غيل بن يمين، حيث يتعرض المعتقلون لظروف قاسية وتعذيب.
وأكدت منظمة “سام” للحقوق والحريات في تقريرها “الغيبة الطويلة” ارتكاب جرائم حرب في هذه السجون، مشيرة إلى ضابط إماراتي يدعى “أبو أحمد الإماراتي” كان مسؤولاً عن معتقل مطار الريان.
محاولات عائلية وجهود مضنية
قامت عائلات المختفين بمحاولات عديدة للكشف عن مصير أبنائها، وتواصلت مع مسؤولين محليين وقادة عسكريين إماراتيين، لكن هذه الجهود لم تثمر عن أي نتائج ملموسة.
وفي تطور جديد، كشف محافظ حضرموت سالم الخنبشي عن أدلة تثبت تورط الانتقالي والإمارات في إدارة سجون سرية، مشيرًا إلى العثور على زنازين تحت الأرض في قاعدة مطار الريان.
وتأتي هذه الكشوفات بعد استعادة الحكومة اليمنية السيطرة على محافظتي المهرة وحضرموت، وقرارها إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات.
المادة كما هي من موقع بران برس:
في الثاني من يونيو/حزيران 2016، بدأت فصول المعاناة للمواطن الحضرمي (س.ي.ع.ح) الذي كان يشغل منصب مدير قسم مكافحة المخدرات بالمحافظة، واستدعائه من مدير الاستخبارات “صالح المعاري”، ليخضع الضحية للتحقيق قبل أن يُفرج عنه في اليوم التالي.
لم يكن هذا الإفراج سوى هدوء يسبق العاصفة، فبعد خمسة أيام، وتحديدًا في 8 يونيو/حزيران 2016، تلقى الضحية اتصالًا جديدًا من مدير الاستخبارات يطلب منه الحضور بحجة أنه “مطلوب من الضباط الإماراتيين” التابعين لقوات التحالف بمحافظة حضرموت.
وعند حضوره إليهم اقتادوه إلى “سجن الريان”، لينقطع الاتصال به كليًا، ولم يعرف عنه أي شيء بعدها. ورغم المحاولات المستمرة من أسرته لمتابعة ملفه، واستصدار توجيهات من محافظ حضرموت السابق، اللواء احمد بن بريك، إلا أنها لم تنفذ. كما لم يتم عرض الضحية على أي جهة قضائية.
قبلها، في 30 مايو 2016، أقدمت قوّة مكونة من مدرعتين وتسعة أطقم تحمل جنودًا يتبعون “قوات النخبة الحضرمية” على اقتحام منزل المواطن (أ.ع. ج.س) في حارة الخور بمدينة المكلا.
كانت الساعة الثانية والربع فجرًا. أقدموا على كسر باب المنزل وإشهار الأسلحة بوجه الضحية وأفراد أسرته. قاموا باعتقاله وتقييده ونقله إلى مكان مجهول. من حينها انقطعت أخباره عن عائلته.
هاتان القصّتان وثقتهما اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان ضمن تقرير “السجون والمعتقلات في اليمن” للفترة من سبتمبر 2014 وحتى يوليو 2018، نقلًا عن ذوي الضحايا وشهود العيان.
معتقلات حضرموت
رغم الاستقرار الذي شهدته حضرموت، وبقائها بعيدًا عن الحرب الحوثية، إلا أن تقارير اللجنة الوطنية كشفت عن سلسلة انتهاكات داخل السجون ومراكز الاعتقال التي تخضع لـ“قوات النخبة الحضرمية” المدعومة إماراتيًا.
وإلى جانب السجن المركزي (المنورة)، ومركز توقيف النجدة، وسجن الاستخبارات مديرية المكلا، وثّقت اللجنة سجن مطار الريان بالمكلا التابع لقوات الإمارات، وثلاثة معتقلات تابعة للنخبة الحضرمية هي: مركز بمعسكر كوارتز مديرية الغيل، ومعتقل معسكر الربوة في خلف، ومعتقل معسكر ضبة.
وكشفت نتائج التحقيقات عن واقع مأساوي داخل السجون الأربعة الأخيرة، حيث وثقت اللجنة ارتكاب العديد من الانتهاكات بدءً بالاعتقالات التعسفية وصولًا إلى التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، والتي تجسّدت في القصتين المذكورتين آنفًا.
وفي السياق ذاته، كشف “مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان” عن شبكة سجون سرية تديرها الإمارات في حضرموت، منها معتقل الريان، الذي يقع داخل مطار الريان بالمكلا، ويُعد من أشهر المعتقلات غير القانونية. إضافة إلى معتقلات أخرى في ميناء الضبة، وربوة في مديرية المكلا، ومعتقل القصر الجمهوري، ومعتقل غيل بن يمين.
معتقل إقليمي
لا تقتصر سجون الإمارات في حضرموت على ابتلاع المواطنين الحضارم، بل يساق إليها عشرات المختطفين من المحافظات الأخرى التي تسيطر عليها قوات المجلس الانتقالي جنوب اليمن.
كشفت اللجنة الوطنية، في التقرير ذاته، أنها تحقق في واقعة اعتقال 44 ضحية في محافظة عدن جرى نقلهم من قبل قيادة قوات التحالف (الإمارات) إلى محافظة حضرموت.
وأوضحت اللجنة أنها تلقت بلاغات بذلك من أهالي الضحايا، وقامت بتوجيه عدداً من المذكرات إلى كل من النائب العام، وقائد قوات مكافحة الإرهاب، ومدير أمن محافظة عدن.
كما سلَّمت قيادة قوات التحالف كشفاً بأساء الضحايا وطلبت منها الرد على استفسارات اللجنة بهذا الشأن، إلا أنه لم يصلها أي رد على مذكراتها من الجهات المعنية من أجل استكمال إجراءات التحقيق في تلك الوقائع.
تعذيب وحرمان
وثّقت اللجنة الوطنية، في تقريرها الدوري العاشر، واقعة اعتقال وتعذيب الضحية “عوض أحمد محمد عوض الدقيل” (56 عاماً)، من أبناء مديرية المكلا بمحافظة حضرموت، والذي تعرّض لسلسلة انتهاكات بدأت بتاريخ 25 نوفمبر 2022.
تكشف تفاصيل الواقعة، بحسب ملف القضية، أن نقطة عسكرية في منطقة الشقين بمديرية المكلا أوقفت باص ركاب قادم من عدن عند الساعة الخامسة مساء.
وعقب تفتيش الركاب والتدقيق في هوياتهم، سمحت للباس بالمرور بعد أن أنزلت الدقيل وقامت باحتجازه بمبرر “أمرٍ إجرائي واشتباه فقط”، وتعهدت بإيصاله إلى منزله فور الانتهاء من الإجراءات. إلا أن الواقع كان مغايرًا، فبعد مرور بعض الوقت تفاجئ الضحية بوجود طقم عسكري أمر بالصعود على متنه، ومن ثم تم اقتياده إلى “سجن الريان”.
ورغم المساعي الحثيثة لأسرة الضحية ولقائها بمحافظ المحافظة، الذي طمأنهم على صحته وعدم وجود ضده أي تهم وأن الأمر مجرد اشتباه، استمر احتجازه لقرابة شهرين مع حرمانه من حقه في زيارة أسرته، والتواصل معها.
وبحسب إفادة زوجة الضحية، فقد سبق اعتقاله 10 يونيو 2016 ولم يفرج عنه إلا في 14 مارس 2019.
وخلصت اللجنة، بناءً على التحقيقات في الواقعة وما احتواه ملف القضية من أدلة وشهادات ومذكرات من أسرة الضحية، إلى ثبوت مسؤولية المنطقة العسكرية الثانية عن هذا الانتهاك.
بعيدًا عن القضاء
أكّدت اللجنة الوطنية للتحقيق استمرار التشكيلات الأمنية والعسكرية المدعومة إماراتيًا في اعتقال المواطنين بالمخالفة للقانون وبعيدًا عن القضاء.
وتطرقت إلى جذور هذا الوضع منذ استعادة قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية مدعومة بقوات التحالف لمدينة عدن من قبضة جماعة الحوثي المدعومة من إيران، موضحة أن عدد السجون ومراكز الاعتقال في عدن بلغ 14 مركزًا وثلاثة مراكز اعتقال تابعة للتحالف.
وأضافت أن “قوات الحزام الأمني” المدعومة من الإمارات تقوم بنقل المعتقلين إلى هذه السجون، وتقتادهم من المحافظات القريبة من عدن مثل لحج وأبين والضالع.
ورصدت اللجنة حصول الكثير من الانتهاكات تجاه المحتجزين بهذه المراكز، وخصوصًا من يشتبه في علاقتهم بالتنظيمات والجماعات الإرهابية، إضافة إلى اعتقال قيادات حزبية معروفة، ودون أن يتم عرضهم على النيابات والمحاكم.
جرائم حرب
في مايو 2017، أصدرت منظمة سام للحقوق والحريات، ومقرها جنيف، بيانًا كشف عن 18 سجناً سرياً أنشأتها دولة الإمارات في كل من حضرموت وعدن، إضافةً إلى سجونٍ في منشأة “بلحاف” بمحافظة شبوة، أخفت فيها قسرًا مدنيين معارضين لها بحُجّة مكافحة الإرهاب.
وفي تقريرها “الغيبة الطويلة”، الذي يوثق وقائع الإخفاء القسري في اليمن للفترة من 2015 إلى 2021، كشفت “سام” عن ضابط إماراتي يدعى “أبو أحمد الإماراتي” كان مسؤولًا عن معتقل مطار الريان، وحمّلته المسؤولية عن “ارتكاب جرائم حرب بحق المدنيين اليمنين، متمثلة في الاعقتال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب”.
وأكدت أن هذا المعتقل يعد من أشهر المعتقلات غير القانونية التي أنشأتها القوات الإماراتية في اليمن، ويُخفى فيه أعدادًا كبيرة من المحتجزين تعسفاً والمخفيين قسرًا.
وأضافت سُمح في الآونة لبعض المعتقلين بالاتصال بأهاليهم بعد أن كانت ممنوعة عليهم في الفترة السابقة، كما أفرج عن عدد من المعتقلين، وُأحيل آخرون إلى معتقل “المنورة” بالمكلا.
وأوردت سام قصّة “أحمد فايز سالم بايمين” (19 عامًا)، والتي لا تختلف عن الحكايات السابقة، خصوصًا من حيث تواطئ المسؤولين المحليين من مدير الأمن إلى المحافظ وخضوعهم التام للقوات الإماراتية على حساب حياة أبناء المحافظة.
بحسب إفادة والد الضحية، فإنه في الرابع من رمضان 2019 وبعد صلاة المغرب خرج “أحمد” من المسجد في غيل باوزير برفقه أخيه سالم وأحد الجيران، واعترضتهم سيارة “هايلكس” عليها 4 مسلحين ملثمين يرتدون ملابس مدنية، نزل اثنان منهم ونادوْا أحمد للتحقيق 10 دقائق وسيرجع إلى بيته. وحينما سألهم عن هويتهم أسكتوه وأخذوه بالقوة.
توجه أخوه سالم إلى مركز شرطة “غيل باوزير” وقدم بلاغًا، وقال مدير الأمن حينها، أحمد الجمحي، إن أحمد “مطلوب للمطار” وأنه في مطار الريان الخاضعة لسيطرة قوات الإمارات.
وتواصل والد أحمد مع قائد معسكر “كوارتز” المقدم سالم النموري، الذي أكد لاحقًا أن السيارة تتبعهم وأن أحمد مطلوب للمطار. مر اليوم دون أي خبر.
بعد أسبوعين تواصلت أسرة الضحية مع القائد الإماراتي “أبو عبد الله” فأخبرها أنه أفرج عن أحمد في منتصف رمضان. وقال: أحمد ليس لديه أي شيء، وصفحته بيضاء. وعندما سألوه عن الجهة التي سلم أحمد لها “لم يجب”.
ولاحقًا، حاولت الأسرة التواصل مع الضابط الإماراتي لكن دون جدوى. ثم التقى والد أحمد بمدير أمن ساحل حضرموت، العميد منير كرامة التميمي والذي أكد أن أحمد ولد محترم وصغير، ووعد بمتابعة موضوعه، إلا أنه لم يأت بنتيجة.
كما تم التواصل مع مدير مديرية غيل باوزير، عدنان حمران، ووعد بالتواصل مع الإماراتيين والجهات الأمنية، وفي اتصال لاحق أفاد بأنه تم الإفراج عن أحمد من مكان إلى مكان آخر تمهيدًا لخروجه، ثم انقطعت الأخبار.
وأيضًا تم التواصل مع رئيس الاستخبارات بحضرموت، محمد عمر اليميني، الذي نفى وجود اسم أحمد في الكشوفات، ووعد بالمتابعة دون نتيجة. كما جرت محاولات واتصالات بضباط ووجهاء ومشايخ، ومن ضمنهم الشيخ “صالح الشرفي” مستشار محافظ حضرموت، الذي قال إنه نقل القضية للمحافظ لكن دون نتيجة.
وحتى صدور التقرير لم يظهر أي خبر عن أحمد وعن صحته ومصيره، وأسباب اعتقاله وإخفائه طوال السنتين الماضيتين.
كشف المستور
يوم أمس، عقدت اللجنة الوطنية للتحقيق جلسة استماع علنية استمعت خلالها لشهادات أكثر من 100 ضحية تعرضوا للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري في ساحل محافظة حضرموت.
تضمنت الشهادات تفاصيل مروّعة عن الاختطاف من المنازل ومقرات العمل ومن الطرقات العامة، ونقلهم إلى أماكن احتجاز سرية دون إبلاغ ذويهم أو تمكينهم من التواصل، وتعرضهم لأشكال متعددة من العنف والتعذيب الجسدي، وسوء المعاملة، والأذى النفسي، ما أدى في عدّة حالات إلى إعاقات دائمة وتشوهات جسدية.
كما قدموا شهادات بشأن وفاة عدد من زملائهم نتيجة التعذيب، وقدموا قوائم بأسماء المرتكبين لتلك الانتهاكات، وتفاصيل بأسماء ومواقع مراكز الاحتجاز، وكذا تقارير طبية، ومقاطع فيديو، وصور توثق أوضاعهم الصحية.
ولاحقًا، كشف عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، عن أدلة تثبت تورط الانتقالي الإمارات في إنشاء وإدارة سجون سرية بالمحافظة.
وأوضح المحافظ أن السلطات عثرت في قاعدة مطار الريان بالمكلا على زنازين تحت الأرض تجهيزات وصفها بأنها “مشبوهة ومستغربة” شملت غرف احتجاز ضيقة جدًا أشبه بالثلاجات العمودية لا تسمح للمعتقل بالجلوس.
واتهم المحافظ الانتقالي والإمارات بالمسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات، متعهدًا بملاحقة المتورطين ومحاسبتهم قانونيًا.
وتأتي هذه التطورات بعد ثلاثة أسابيع من استعادة الحكومة لمحافظتي المهرة وحضرموت التي اجتاحتها قوات المجلس الانتقالي بدعم إماراتي مطلع الشهر الماضي. وعقب ذلك، قررت الحكومة اليمنية إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، ومنحت قواتها مهلة 24 ساعة لمغادرة البلاد، على خلفية اتهامات رسمية لـ“أبوظبي” بالضلوع في “دعم التصعيد العسكري وتقويض سلطة الدولة وتهديد وحدة اليمن وسلامة أراضيه”.





