نكبة 7/7.. الذكرى السادسة لاستشهاد العميد الابارة قائد أول لواء في الجيش الوطني

7 يوليو 2021
نكبة 7/7.. الذكرى السادسة لاستشهاد العميد الابارة قائد أول لواء في الجيش الوطني
عدن نيوز - وحدة التقارير - تقرير خاص (عبدالعزيز غالب) :

“الإرادة الشبابية التي ولدت في 11 فبراير هي امتداد للإرادة اليمنية الأم التي عمرها يتجاوز مئات القرون” هكذا كان يوسم الثورة الشبابية الشعبية التي فجرها شباب اليمن العزل في 2011 في وجه نظام المخلوع علي صالح حينها.

انه الشهيد القائد اللواء احمد يحى الابارة رائد ساحة التغيير وعرّاب منتدياتها السياسية والثقافية وملهم الحرية والكهل المناضل ومهندس الجيش الوطني والكثير الكثير من الألقاب والصفات التي اكتسبها الشهيد في حياته وخلدها تاريخه العريق على امتداد مراحل نضاله من اجل القيم النبيلة والحرية والعدالة التي كان ينشدها الشهيد لوطنه وشعبه.

نكبة 7/7

لم يعد (7/7) منذ العام 2015 بالتاريخ الذي يوثق ذكرى الحرب المشؤمة في صيف 94م، بين شركاء الوحدة التي لم تكن قد بلغت سنويتها الرابعة منذ إعلان إعادة تحقيقها بين شطري اليمن، فقد ارتبط أيضا بجريمة غادرة تمثلت باستهداف مقاتلات التحالف العربي، معسكراً تابعاً للحكومة الشرعية في منطقة العبر بمحافظة حضرموت بثلاث طلعات جوية اسفرت عن استشهاد ثلة من القيادات العسكرية المخلصة بينهم القائد أحمد يحيى الأبارة، أحد أبرز القادة العسكريين الذين شكلوا النواة الأولى للجيش الوطني في صحراء العبر.

الضربة الجوية التي جاءت بعد أشهر قليلة من البدء بعمليات عاصفة الحزم المساندة للجيش والمقاومة في معركة استعادة الدولة المخطوفة والمغتصبة بقوة السلاح من المليشيات الحوثية المدعومة من إيران شكلت لحظة فارقة في مسارات التدخل العسكري للتحالف العربي في اليمن، خاصة بعد تزايد عدد الغارات “الخاطئة” التي نفذها التحالف واستهدفت معسكرات وجنود الجيش الوطني في مختلف المدن والمواقع المحررة.

لقد شكل استشهاد العميد الأبارة مع 10 أخرين من أسرته وما يزيد عن 80 ضابطاً من أكفئ ضباط الجيش اليمني ومئات الجنود والصف في قصف طيران التحالف العربي المساند للشرعية على معسكر اللواء 23 ميكا بصحراء العبر في محافظة حضرموت، خطئاً فادحاً قالت تحقيقات التحالف أن عملياتها تلقت بلاغا وإحداثيات مغلوطة، وأن الحادث كان عرضياً وهو ما لم يُكشف عن ملابساته حتى اليوم.

كثير من الشواهد وخاصة الضربات الجوية التي تلقاها الجيش الوطني فيما بعد اكدت بما لا يدع مجال لاي شك ان ضربة معسكر العبر التي قال عنها التحالف حينها انها “مغلوطة” كانت ضربة متعمدة مع سبق الإصرار هدفت لوأد الحلم اليمني في بناء جيشه الوطني، فقد كانت المهمة التي كان الشهيد الأبارة- رحمه الله- يختطها في لحظات استشهاده مع مرافقيه، ورفاقه من القادة العسكريين، هي تشكيل أحد الألوية العسكرية التي كانت مهمتها المشاركة في تحرير الوطن ككل وإقليم تهامة بشكل خاص بمساندة العديد من شباب ريمة، وفوق ذلك كان يحمل أجندة من الأفكار الملهمة لرد الاعتبار للجيش من خلال تأسيس جيش وطني لا ينساق في تشكيلاته إلى ولاءات شخصية أو مناطقية وطائفية، فقرر الشهيد اعتناق هذه المهمة لاسيما بعد ان أصبحت صنعاء العاصمة، ومدن يمنية أخرى، في قبضة سلطة المليشيات الحوثية، وبتواطؤ وتسهيل من الأجهزة العميقة لنظام صالح، وبالذات أجهزته العسكرية والاستخباراتية حينها.

هذا خيارنا..

مثلت ثورة فبراير2011م، أبرز المحطات التي جسدت شخصية الشهيد “الأبارة” المرتفعة على المناصب والترقيات، وجسدت تمثله لأفكاره التي يعرفها الجميع عنه بما في ذلك الذين يختلفون معه.

وجاء في شهادات للماوري: “أنه لم يكن يدرك الذين في ساحة التغيير أهمية الرجل الذي أصبح واحدا منهم، لكن قليلون جدا من كان يعرف ذلك. أما النظام، فقد كان يدرك أن انضمام أشخاص مثل أحمد يحيى الأبارة للثورة يزيدها قوة واتساعا، وهو الأمر الذي لا يجب أن يحدث”.

مؤكدا أن “الأبارة تلقى اتصالا من وكيل جهاز الأمن القومي وابن أخ علي عبدالله صالح، يحاول ثنيه عن هذا القرار، عارضا عليه جملةً من الإغراءات، فكان رده بسيطا جدا ومختصرا: هذا خيارنا، ولا يمكننا التراجع عنه”.

وعلى الرغم من خلفيته العسكرية والقتالية التي استحوذت على سنوات طويلة من حياته تارة بوصفه أحد قادة الجبهة اثناء حرب المناطق الوسطى نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي وتارة ضمن صفوف الجيش الوطني بعد ذلك إلا انه ظل مشبعا بالمبادئ المدنية ووفيا لها الامر الذي اعطى تجربته النضالية ابعادا جديرة بالإعجاب والتأمل.. ففي كل خياراته السياسية كان احمد الابارة قريبا من نبض الناس ومن معاناتهم وقد اكتشف مبكرا ان اليمن بلد تحكمه نخبة متخمة بالأموال والفتاوى الدينية” كما يقول الباحث عبدالغني الماوري.

اتخذ موقعه دون تردد

قالها بوضوح بعد سقوط صنعاء بيد مليشيات الحوثي:” إنها العودة لحكم السيد والعبد” وهذا لا يمكن القبول به”؛ واتّخذ حينها موقعَه في صف الوطن والجمهورية دون تردّد فكان لزاما عليه أن يعود لبزته العسكرية، وهو المعروف في منتديات وفعاليات البلاد بالسياسي البارع والمثقف العضوي، والناشط الاجتماعي، لولا أنه يؤمن بعمق أن المعركة لا ينبغي مهادنتها، فقد وصل الخطر حد القضاء على أعظم مكاسب اليمنيين طوال ما يزيد عن نصف قرن من الزمن، كما وصل حد تهديد الهوية اليمنية، والتجريف فيها.

بعد سقوط صنعاء أيقن الشهيد الابارة ان مرحلة جديدة من النضال العسكري تلوح في الأفق وان عودته مجدداً إلى بزته العسكرية أصبحت وشيكة، بل وحتمية وهو الذي بالكاد يصدق من عرفه بمدنيته وانخراطه في النشاطات المدنية والسياسية أنه شخصية عسكرية، وخاض حروبا ومعارك، من بينها قيادته لفصائل في حرب المناطق الوسطى، (الجبهة الوطنية)، ضد نظام الرئيس صالح. ولاحقا قيادته لفيلق عسكري يمني في الحرب العراقية ضد إيران في الثمانينات من القرن الماضي، عقب الخروج من مفاوضات الجبهة الوطنية مع النظام وتوقف الحرب.

أدرك الشهيد احمد الابارة ان اللحظة الحاسمة قد حانت وان نداء الواجب لا ينتظر أحد فشمر وانطلق ميمما صوب صحراء العبر بعد ان تلقى دعوة من اللواء الركن محمد علي المقدشي -وزير الدفاع الحالي- والذي كان حينها رئيسا لهيئة الأركان وطلب منه التحشيد والشروع في تأسيس جيش يمني لقتال الحوثيين وتحرير العاصمة صنعاء واستعادة الدولة اليمنية المغتصبة بقوة السلاح.

لقد قرر صيانة شرفه العسكري والتحق بركب المنحازين الى صف الوطن من القيادات المدينة والعسكرية كما سجل من سابق موقفه من نظام صالح والتحق بثورة الشباب والشعب السلمية، وجمد نشاطه في قيادة المجلس المحلي بمحافظة ريمة، فضلا عن تقديم استقالته من عضوية المؤتمر الشعبي العام، احتجاجاً على ممارسات النظام ضد المحتجين والمعتصمين، في الساحات وأيمانا منه بضرورة التغيير.

نظرة ثاقبة في استشفاف المستقبل..

لم تكن وقع فاجعة استشهاد العميد الابارة كغيرها من الوقائع التي شهدها وطننا في تلك الحقبة وانما مثلت منحدر خطير تساق إليه الامة دون وعي وفي هذا السياق يقول همدان الحقب: حين بلغني نبا استشهاده كتبت على حائطي “ان مقتل احمد الابارة دلالة على جفاء المرحلة والهوة الساحقة التي سقط الى دركها وطننا الحبيب”.

ويضيف الحقب: الابارة ذلك الجبهوي العتيق فارس المناطق الوسطى الذي غاب في حادثة يلفها الكثير من الغموض، حادثة لن يطمرها النسيان ولن يهدا ضمير العدالة حتى تسفر عن غموضها”.

وللشهيد الابارة تاريخ حافل في مقاومة الظلم وكل اشكال القهر الاجتماعي وهو في هذا علم في منطقته ريمة وكل محيطها الجغرافي وعلى مستوى الساحة اليمنية السياسية منذ اواخر النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي ومشهود له بانه كان عف اليدين واللسان ونصيرا لكل فقراء المجتمع اليمني ومدافعا عن حقهم في العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة كما يقول اللواء محسن خصروف المدير السابق لدائرة التوجيه المعنوي في الجيش الوطني..

ويضيف خصروف: ” ما شدني منذ اللحظات الأولى وما تلاها هو نظرة العميد الابارة الثاقبة لمجمل ما يُعتمل من جدل وتفاعلات في ساحة الثورة في صنعاء وكل الساحات وكلماته الموزونة بميزان المنطق العلمي وإلمامه الواسع بخارطة القوى السياسية المتفق والمختلف عليه بينها ومخططات قوى الثورة المضادة للعب بقوة في ميدان المختلف عليه بين قوى الثورة وادراكه الواعي لأبعاد ومترتبات تلك المخططات وتحذيراته المستمرة للشباب وللكثير من القيادات السياسية بما تخبئه القوى المتضررة من الثورة وتصوراته للقادم المحتمل ليس على مستوى الساحة فقط وانما على مستوى الوطن.

خارطة طريق من ثلاث نقاط..

إن من أصعب الكتابة على الاطلاق هي الكتابة عن الاحداث والمتغيرات الكبيرة فكيف بالكتابة عن الأشخاص العظماء والفاعلين المؤثرين في مسارات هذه الاحداث وخاصة الكتابة عن وجه سبئي وقيل يماني وضع خارطة طريق مكثفة من ثلاث نقاط رئيسية لتحقيق حلم اليمنيين تمثلت في “بناء جيش وطني يحمي السيادة ويحرس البلاد ويكون ولائه لله ثم للوطن والدستور لا للفرد او القبيلة او الحزب” و “تنظيم قوي يحمل المشروع الوطني لثورة الشباب الشعبية السلمية” و “مواطنة متساوية ينعم بها الجميع دون تمييز جهوي او عصبوي او طائفي”.

رحل الشهيد اللواء احمد يحيى الابارة، الذي يعد أحد أبرز القيادات العسكرية المعروفة بالشجاعة والتضحية والوطنية التي انحازت للشعب والجمهورية والثورة منذ نعومة اظافره، فمثل رحيله صدمة كبيرة لدى اليمنيين بمختلف مشاربهم ومازال تأثيرها الى اليوم رغم مرور ست سنوات على استشهاده في ساحة المعركة دفاعا عن الوطن كما تمنى فقد كان دائم الترديد “ان الموت في ساحة المعركة وانت تدافع عن الوطن لهو أعظم شرف لك من الموت على الفراش كالجبناء” وقد نال ما تمنى بفخر واعتزاز.

الرحمة لروحه الطاهرة ولرفاقه والنصر والعزة للوطن..