الطفيليات التي أنقذت المزارعين والمحاصيل الزراعية قبل اكتشاف المبيدات

7 ديسمبر 2020
الطفيليات التي أنقذت المزارعين والمحاصيل الزراعية قبل اكتشاف المبيدات
عدن نيوز - متابعات :

قبل اكتشاف المبيدات الكيماوية للآفات، كان المزارعون يعتمدون على المفترسات المحلية لمكافحة الآفات التي تدمر المحاصيل الزراعية لآلاف السنين. وقد لاقت هذه الممارسات الطبيعية في مكافحة الآفات انتشارا واسعا في العصر الحديث.

في الغابات الغنية بالتنوع البيولوجي جنوب شرقي آسيا، يكسب ملايين المزارعين قوتهم من زراعة الكسافا. ويباع هذا المحصول الذي يزرعه صغار الحائزين من المزارعين الذين لا يملكون سوى هكتارا أو هكتارين وكذلك المزارع التجارية الممتدة على مساحة آلاف الهكتارات، لأصحاب المصانع الذين يستخدمون نشا الكسافا في صناعة البلاستيك والصمغ.

ومنذ أن استوردتها دول جنوب شرق آسيا من أمريكا الجنوبية، كانت الكسافا تنمو دون مساعدة مبيدات الآفات. لكن في عام 2008، انتشرت حشرة البق الدقيقي في المنطقة ودمرت محصول الكسافا، ما حدا بالمزارعين إلى اقتطاع مساحات من الغابات حول أراضيهم لزيادة المحصول وتعويض خسارتهم.

ويقول كريس ويكهويز، الخبير في أساليب المكافحة الحيوية للآفات في أكاديمية العلوم الزراعية بالصين: “إن بعض هذه المناطق مهددة بالفعل بسبب عمليات إزالة الغابات. فكمبوديا تشهد أعلى معدلات إزالة الغابات الاستوائية”.

ولم يؤثر وصول البق الدقيقي إلى المنطقة على المزراعين الذين يكسبون رزقهم من زراعة الكسافا فحسب، بل طالت تبعاته اقتصادات المنطقة وربما ترتبت عليه تداعيات في مناطق أخرى.

وارتفعت أسعار المحاصيل النشوية البديلة، كالذرة والبطاطس. وفي تايلاند، التي تتصدر قائمة الدول المصدرة لنشا الكسافا، ارتفعت أسعار نشا الكسافا ثلاثة أضعاف.

ويقول ويكهويز: “عندما تتسبب حشرة في تراجع غلة المحصول بنسبة تتراوح بين 60 و80 في المئة، فإن العواقب ستكون جسيمة”. وكان الحل هو العثور على العدو الطبيعي لحشرة البق الدقيقي في موطنها الأصلي أمريكا الجنوبية، الذي يتمثل في دبابير أناغيروس لوبيزي الطفيلية التي لا يتعدى طولها ملليمترا. وفي أواخر 2009، أطلقت الدبابير الطفيلية في مزارع الكسافا في تايلاند، وأخذت تتغذى على البق الدقيقي.

ويقول ويكهويز، “أطلقت الملايين من الدبابير الطفيلية (في منتصف 2010) في مختلف أنحاء تايلاند، وشاركت الطائرات في إطلاقها، وقد لوحظ تأثيرها على أعداد البق الدقيقي بعد فترة وجيزة”.

وعندما استخدمت نفس الدبابير لمكافحة البق الدقيقي في غرب أفريقيا في مستهل الثمانينيات، تراجعت أعداد هذه الآفة من 100 حشرة على كل نبتة كسافا إلى أقل من 20. وانتشرت الحشرة في أقل من ثلاث سنوات في جنوب غربي نيجيريا على مساحة 200 ألف كيلومتر، وتوجد الدبابير الطفيلية الآن في الغالبية العظمى من مزارع الكسافا في المنطقة.

ويطلق على هذا النوع من التدخل اسم “المكافحة الحيوية”، التي تعتمد على استخدام الأعداء الطبيعيين للآفات من مفترسات وطفيليات وإطلاقها في محصول لكبح انتشار إحدى الآفات. ويقدر ويكهويز الفوائد الاقتصادية التي يجنيها المزارعون في 26 دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ من استخدام المكافحة الحيوية بما يتراوح بين 14.6 و19.5 مليار دولار.

وقد عرف أسلافنا مزايا استخدام العدو الطبيعي للآفات الزراعية منذ آلاف السنوات، لكن المكافحة الحيوية تراجعت أهميتها في الممارسات الزراعية الحديثة. وتقول روز بوتنهويس، عالمة بالمؤسسة العلمية المستقلة للبستنة، التابعة لمركز فاينلاند للأبحاث والابتكار في أونتاريو بكندا: “إن المكافحة الحيوية كانت تستخدم للقضاء على الآفات لآلاف السنين”.

لكن لماذا تراجع الإقبال على المكافحة الحيوية للآفات؟ وما الذي سيحدث لو أدت المكافحة الحيوية إلى نتائج عكسية؟

كانت حضارات أمريكا الوسطى في العصر ما قبل الكولومبي تقدس ضفادع قصب السكر كونها وسيطا إلى العالم السفلي. فهذه الضفادع تفرز مادة سمية قوية كانت تسبب الهلوسة للكهنة الذين كانوا يستخدمونها في طقوسهم للتواصل مع الموتى. وظهرت هذه الضفادع في الأعمال الفنية لشعب المايا وغيرهم من الشعوب الأصلية.

وكانت الضفادع هي المرادف للمياه والحياة، كونها كانت تبشر بنزول المطر. وكان خروج الضفدع من المياه بعد تحوله من شرغوف إلى ضفدع، يشبه الخروج من العالم السفلي.

وكانت الضفادع أيضا تعد صديقة للمزارعين لأنها تساعدهم في حماية المحاصيل من الآفات، وكانوا يطلقونها في مزارع الذرة وسلال التخزين، لتتغذى على الخنافس والقوارض الصغيرة التي قد تقضي على المحصول. لكن السم العصبي الذي كانت تفرزه هذه الضفادع كان الحيلة الدفاعية الرئيسية التي كانت تستخدمها ضد أعدائها، وهذا السم كفيل بقتل البشر إن لم يتوخوا الحذر.

وأدركت الشعوب الأصلية بأمريكا الوسطى هذه الثنائية في الطبيعة، فضفادع القصب تمثل الموت والحياة في آن واحد. وبينما كان شعب المايا يقدر أهمية الضفادع في مكافحة الآفات، فقد فطن أيضا إلى أن العبث بالطبيعة وعناصرها قد يكون له عواقب وخيمة.

وتحظى ضفادع القصب بسمعة سيئة في أستراليا. ففي عام 1935 استوردتها أستراليا من الأمريكتين لمكافحة الآفات حيويا، وتكاثرت ضفادع القصب في مزارع قصب السكر في الولايات الشمالية الشرقية، بأعداد مهولة بسبب توفر فريستها المفضلة وغياب الأعداء الطبيعية التي تفترسها عادة في موطنها الأصلي. وفي عام 2007، قدرت أعداد ضفادع القصب في الغابات الأسترالية بنحو 1.5 مليار ضفدعة على مساحة 1.2 مليون كيلومتر مربع.

وكانت التبعات جسيمة، إذ تراجعت أعداد المفترسات التي تتغذى عادة على الضفادع المحلية، مثل الدصيور الجرابي والغوانا، وهي نوع من العظاءات الضخمة، التي قتلها سم ضفادع القصب. وتقتل الحكومة الأسترالية ومناصرو البيئة ملايين من ضفادع القصب سنويا.

ويقول ويكهويز: “إن إطلاق الضفادع كان مخالفا للنصائح العلمية ويعد أمرا مستحيلا في مجال المكافحة الحيوية، فمن الخطأ أن تطلق حيوانات فقارية ضارية تتغذى على أنواع مختلفة من الفرائس، بقصد القضاء على الآفات”.

وهناك عشرة أمثلة على الأقل على أعداء طبيعية تحولت إلى أنواع غريبة غازية وخرجت عن نطاق السيطرة. إذ لجأت القوات اليابانية وقوات التحالف في الحرب العالمية الثانية إلى إطلاق سمكة البعوض التي تتغذى على يرقات البعوض للحد من انتشار الملاريا بين الجنود في جزر المحيط الهادئ. لكن هذه السمكة الصغيرة تكاثرت في المنطقة بشكل مفرط وحلت محل الأنواع المحلية. وينطبق الأمر نفسه على الدعسوقة الآسيوية في أوروبا التي كان الغرض منها مكافحة قمل النبات.

وبسبب هذه الإخفاقات، زاد الإقبال على مبيدات الآفات الكيماوية بدلا من الحيوية في النصف الأول من القرن العشرين، رغم أن تجارب المكافحة الحيوية الناجحة تفوق التجارب الفاشلة بنحو 25 مرة على الأقل.

ويحاول باحثون الآن تغيير الصورة السلبية عن أساليب المكافحة الحيوية، ويقولون إن أيام مبيدات الآفات الكيماوية أصبحت معدودة.

هل هي نهاية مبيدات الآفات؟

تقول بوتنهويس: “إن المبيدات الكيمائية أسهمت في حل مشكلات عديدة في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. فقد وفرت على المزارعين عناء كبيرا. وكل ما كان يحتاجونه هو رش المبيدات لقتل الآفات”.

لكن مشكلة المبيدات الكمياوية تكمن في أن أنواع الآفات تتوالد سريعا. وإذا اكتسبت الحشرات مقاومة لمبيدات الآفات قد تنقلها إلى نسلها. ولهذا يطور مصنعو المبيدات الحشرية منتجاتهم باستمرار لمجاراة مقاومة الآفات للمبيدات.

وقد زادت القيود على المبيدات الحشرية المستخدمة في الزراعة. ففي عام 2018، حظر الاتحاد الأوروبي ثلاثة أنواع من المبيدات الحشرية تنتمي إلى فئة من الكيماويات تسمى “نيونيكوتينويد” (أشباه النيكوتين). فهذه المبيدات تغلف البذور لحمايتها من الآفات في التربة، وعندما ينمو المحصول، تمتص أنسجة النبات المبيد الحشري ويتجمع في حبوب اللقاح والرحيق، وتتعرض له الحشرات الملقّحة التي تتغذى على النباتات في المنطقة.

ويقول ويكهويز: “ثمة آثار بيئية واجتماعية سلبية عديدة ترتبط بمبيدات الآفات الكيماوية، بدءا من انبعاث غازات الاحتباس الحراري من عملية إنتاج الكيماويات وتوزيعها ووصولا إلى التبعات الصحية على المزارعين والمستهلكين. فالأضرار لا تقتصر على المزارع وحدها، بل تنتشر في الجو وتنتقل عبر المياه السطحية أو الأتربة”.

وعثر على بقايا مبيدات حشرية في الغابات المغطاة بالغيوم في كوستاريكا والحاجز المرجاني العظيم في أستراليا. وعندما تتسرب المبيدات الكيمياوية إلى البيئة حول الأراضي الزراعية، تؤدي إلى فقدان التنوع الحيوي وتدهور النظم البيئية. ويحبذ الكثير من العلماء استخدام المكافحة الحيوية لأنها تستهدف آفات بعينها ولا تضر أنواعا أخرى.

المكافحة الحيوية:

تعتمد المكافحة الحيوية على المفترسات وأشباه الطفيليات ومسببات الأمراض، وتعد ضفادع القصب مثالا على المفترسات التي تستخدم في المكافحة الحيوية للآفات، فهي تتغذى على خنافس القصب. لكنها مع الأسف متعددة العوائل، تتغذى على أنواع أخرى من النباتات والحشرات، وقد كانت تتغذى في أستراليا على الحشرات الأصلية غير الآفات المستهدفة.

أما أشباه الطفيليات فهي أنواع من الزنابير أو الذباب الطفيلي، إذ تضع البيض داخل الديدان أو الخنافس ثم تخرج اليرقات من بطون العائل، وتقتله.

وقد تكون مسببات الأمراض في صورة فطريات أو فيروسات أو بكتيريا تقتل العائل أو تجعله عقيما. ويفضل العلماء استخدام مسببات الأمراض في أبحاث وتجارب المكافحة الحيوية، لأنها تستهدف أنواعا محددة من الآفات، ومن ثم تقل فرص هجومها على أنواع أخرى لا ضرر منها. غير أننا اكتشفنا مؤخرا أن الفيروسات تنتقل من وقت لآخر من نوع لآخر.

وتستخدم المكافحة الحيوية الناجحة أعداء طبيعية للآفة تكون قادرة على التكاثر بأعداد كبيرة، وتستهدف أنواعا محددة من الفرائس وقادرة على قتلها بكفاءة. ولأنه لا يوجد عدو طبيعي يجمع هذه المميزات، فإن الباحثين يحاولون تفادي الأخطار التي يسببها كل منها إلى أبعد حد.

وتطبق المكافحة الحيوية بثلاثة طرق، الطريقة التقليدية أو طريقة المحافظة أو الإكثار. فتتضمن الطريقة التقليدية إطلاق العدو الطبيعي في البيئة الجديدة. ويقول ويكهويز: “إن الطريقة التقليدية لتطبيق المكافحة الحيوية مصممة خصيصا للحد من انتشار الأنواع الغازية”.

ويتحقق ذلك بالعودة إلى موطن الآفة الأصلية ودراسة أعدائها الطبيعية واختيار الكائنات الأكثر قدرة على مكافحتها.

وقد تستخدم في المقابل، طريقة المحافظة والتنمية، بتوفير الظروف المواتية للمفترسات التي تعيش في البيئة مع الآفات لتنمو وتتكاثر من خلال زيادة عدد الشجيرات والمراعي حول المزارع.

إذ لاحظت دراسة أن أعداد ديدان الملفوف في المزارع المحاطة بالمراعي كانت أقل منها في مزارع الملفوف غير المحاطة بالمراعي، وقد يعزى ذلك إلى كثرة الدبابير الطفيلية في هذه البيئات. رغم أن المراعي في بعض الحالات أدت إلى تزايد أعداد الآفات مثل قمل النبات والخنافس البرغوثية.

لكن طريقة الحفظ، قد تصلح فقط في مكافحة الآفات في مواطنها الأصلية. غير أن الكثير من الآفات قد نقلها البشر إلى بيئات جديدة، ربما عن طريق استيراد البذور والمحاصيل التي قد تكون مصابه بهذه الآفات. وازدهرت هذه الآفات في البيئات الجديدة نظرا لعدم وجود أعداء طبيعيين.

وقد تستخدم أيضا طريقة الإكثار، إذ يطلق مسبب الأمراض أو الطفيلي على المحاصيل في الوقت الذي تضع فيه الآفات بيضها أو ربما قبل وصول الآفات، حتى تكافح الآفات سريعا وتدرأ مخاطرها قبل أن تتراجع أعداد هذه الطفيليات في البيئة الجديدة.

وتستخدم أساليب المكافحة الحيوية في الصوب الزراعية منذ عشرات السنين. لأن الصوب الزراعية هي نظام مغلق ومن ثم سيقلل فرص هروب المفترسات إلى الخارج، فضلا عن أن معظم المحاصيل التي تزرع في الصوب الزراعية مثل الطماطم والفلفل والخيار، أعلى قيمة من سائر المحاصيل، مثل الحبوب.

ولاقت أساليب المكافحة الحيوية رواجا في السنوات الأخيرة في مزارع الكروم والأزهار والفاكهة التي تزرع في الهواء الطلق مثل الفراولة.

وتقول بوتنهويس: “يعتمد 92 في المئة من مزارعي الزهور في كندا، بحسب استطلاع للرأي في 2017/2018، على المكافحة الحيوية للآفات، وقد تحقق هذا النجاح بسبب مقاومة الآفات للمبيدات الكيماوية”.

وترى بوتنهويس أن الإقبال سيزيد حتما على أساليب المكافحة الحيوية، لأن استخدام الكيمياويات ليس حلا مستداما لمكافحة الآفات على المدى الطويل.

 
كلمات دليلية
نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام الموقع ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، ولتحليل حركة الزيارات لدينا.. المزيد
موافق