“الغراب الأسود”.. التفاصيل الكاملة عن عن أخطر مشروع تجسس في المنطقة!

3 يوليو 2019
“الغراب الأسود”.. التفاصيل الكاملة عن عن أخطر مشروع تجسس في المنطقة!
عدن نيوز – متابعات :

“رافين” شبكة من الجواسيس والمرتزقة وخبراء في الأمن السيبراني تديرها شركات إماراتية بالتعاون مع الحكومة لتعيين خبراء ومتخصصين أمريكيين في مجالات مختلفة للعمل عندها في التجسس على حكام دول ومعارضين سياسيين وصحفيين ونشطاء.

كشف عملاء سابقون في وكالة الأمن القومي الأمريكية عن تجسسهم لصالح الإمارات في خضم تدقيق عالمي متزايد بسبب التجسس غير الشرعي، والصفقات الدفاعية المشبوهة، والمرتزقة في حرب اليمن.

وشرح تقرير لرويترز بأدق التفاصيل عن برنامج تجسس ومراقبة، أطلق عليه اسم مشروع “رافين” أو “الغراب الأسود”، استفاد من موظفين سابقين بوكالة الأمن القومي الأمريكية للتجسس على حكومات ونشطاء حقوق إنسان ومواطنين أمريكيين واختراقهم.

وبعدما تركت المحللة الاستخباراتية السابقة، لوري ستراود، وكالة الأمن القومي عام 2014، في أعقاب انتكاسة تسريبات إدوارد سنودن، تواصل معها زميل سابق في وكالة الأمن القومي هو مارك باير للعمل في شركة Cyberpoint، وهي شركة أمن سيبراني أمريكية تدير مشروع رافين لصالح الإمارات.

ستعود الإمارات لتستبدل Cyberpoint بشركة DarkMatter التي يديرها الإماراتيون أنفسهم، وترك للأمريكيين الخيار بالمغادرة أو بتوقيع عقود مع الشركة الجديدة.

بعد فترة وجيزة من انضمام ستراود، وجدت نفسها واقعة في شرك شبكة من الخديعة والتجسس، إذ طلب منها أن تتجسس على مواطني بلدها الأمريكيين، وعلى مراهقين قصر، وخصوم وأعداء للإمارات.

وقال خمسة موظفين سابقين إنَّ مشروع رافين استخدم أداة متطورة تدعى (كارما) Karma، تسمح لهم باختراق هواتف آي فون في جميع أنحاء العالم من خلال عيب أمني لسرقة رسائل البريد الإلكتروني، والمواقع، والرسائل النصية، والصور الفوتوغرافية. جعلت أداة كارما هذه الأمر بالغ السهولة، إذ لم يكونوا حتى بحاجة إلى أن يضغط هدفهم على أي رابط أو يقوم بتنزيل فيروس ما.

ثم استخدمت هذه البرمجية عامي 2016 و2017 مراراً وتكراراً على مئات الأهداف حول العالم، بما في ذلك حكومات قطر وإيران وتركيا، بحسب وكالة رويترز.

“مصادفات” غريبة

ملت ستراود داخل فيلا جرى تحويلها في أبو ظبي، أطلقوا عليها اسم “الفيلا”. ومن غير الممكن التحقق مما إذا كانت هذه الفيلا هي ذاتها التي استخدمت في تدريب الاستخبارات في أبو ظبي. ذلك أنَّ الإمارات تعاقدت، عام 2011، مع لاري سانشيز، وهو من قدامى العاملين بوكالة الاستخبارات المركزية، لبناء جهاز الاستخبارات الإماراتي، وجعلوا مقر العملية في فيلا أيضاً، حيث جرى التدريب، وذلك بحسب تقرير نشر في مجلة Foreign Policy.

بدأ سانشيز تدريب الإماراتيين على المراقبة، والجاسوسية، وكيفية العمل مثل عملاء القوات شبه العسكرية، وذلك من خلال شركته CAGN Global. وضع هذا التدريب الأساس للأهداف الإقليمية لطموحات الإمارات المتزايدة، التي دعمت لاحقاً بمرتزقة ومحاربين قدامى في الجيش الأمريكي، وعملاء استخبارات ومتخصصين في الحرب السيبرانية.

وقال أحد المصادر إنَّ “الحلم” كان مساعدة الإمارات على أن تكون لها CIA خاصة بها.

هل كان كل ذلك قانونياً؟

تطبق الولايات المتحدة قيوداً صارمة على مشاركة التدريب والمعرفة العسكرية والاستخباراتية خارجياً، لأنَّ اللوائح الأمريكية للتجارة الدولية في الأسلحة تعرفها بأنها “صادرات”.

لدى شركة سانشيز، CAGN Global، رخصة تصدير من وزار الخارجية للأمن والاستخبارات الأساسية. وقد جرى التحقيق في ذلك الأمر عام 2017 عندما بدأ سانشيز في تمييع الحدود القانونية حول الخدمات التي يقدمها، لكن جرى حلها في النهاية.

لكنَّ وكالة الاستخبارات المركزية لم يكن لديها أي مشكلة مع عمله. وبحسب ثلاثة مصادر تحدثتإلى مجلة Foreign Policy، فإنَّ أعلى ضباط وكالة الاستخبارات المركزية رتبة في أبو ظبي لم تكن لديه مشكلة مع عمل الشركة. بل إنَّ زوجة ذلك الضابط قد عملت لصالح شركة CAGN Global لفترة من الوقت.

وعندما بدأ مشروع رافين عام 2009، كانت خبرة الإمارات في الأمن السيبراني والحرب السيبرانية ضئيلة للغاية. وكذا، فقد كان ما يمكن أن تقدمه شركة Cyberpoint، التي كانت تعمل على هذا المشروع، محدوداً.

وقال موظف سابق لدى الشركة: “كان هناك بعض الأنشطة الهجومية التي لم تستطع شركة CyberPoint International أو لم ترد تقديمها للعميل، ولم يكن العميل يريد أن يرفض له طلب”. ونتيجة لذلك، أنشأت الإمارات شركة DarkMatter، وهي شركة إماراتية الملكية، لكي تتولى المشروع.

وكذا فقد منح الموظفون خياراً: إما التوقيع مع شركة DarkMatter، أو الرحيل. وكذا فقد بقيت ستراود.

لكنَّ DarkMatter لم يكن بحوزتها فيما يبدو رخصة تصدير، بالنظر إلى أنها لم تكن شركة أمريكية، وإنما شركة إماراتية توظف متعاقدين استخباراتيين أمريكيين في حيازتها للمشروع.

تواصلت TRT World مع مديرية ضوابط التجارة الدفاعية بوزارة الخارجية الأمريكية للتحقق مما إذا كانت DarkMatter لديها رخصة تصدير أو تصريح لاستخدام الأساليب الخاصة بالاستخبارات الأمريكية، غير أن المتحدث قال إن المعلومات “ليست متاحة للعامة” واقترح التواصل مع الشركة وتوجيه الأسئلة لها.

ولم تعلق DarkMatter على الأمر حين وجه إليها السؤال نفسه.

ومؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي فيصل البناي هو نجل لواء متقاعد. ويزعم فيصل أن شركته هي شركة خاصة. غير أنَّ الشركة تصف نفسها في بياناتها الصحفية بأنها “شريك استراتيجي بالفعل لحكومة الإمارات العربية المتحدة”.

لكن مكاتب شركة DarkMatter تقع على بعد طابقين فقط من وكالة الاستخبارات الإماراتية المعروفة باسم الهيئة الوطنية للأمن الإلكتروني.

ونائب رئيس DarkMatter للأبحاث التقنية كان يشغل سابقاً المنصب نفسه لدى الهيئة الوطنية للأمن الإلكتروني.

الصين هي الرابحة

لم تنته صفقات شركة DarkMatter عند هذا الحد فحسب، بل كان لها صفقات مع الصين أيضاً.

نُظمت انطلاقة شركة DarkMatter أثناء قمة مدن المستقبل في العالم العربي في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2015، حيث قدمت رؤية لمدن أكثر ذكاء ومعتمدة على التكنولوجيا.

لكن سيمون مارغريتيلي يروى القصة بصورة مختلفة. ففي منشور على مدونة كتبه بعد إجرائه مقابلة معDarkMatter للحصول على وظيفة في 2016، وصف خطتهم لاستغلال الثغرات الأمنية وتثبيت برامج تسلل خبيثة يمكنها تعقب أو تحديد موقع أو اختراق أي شخص في أي وقت في الإمارات، وهذا ما أكده عدد من المصادر لاحقاً لموقع The Intercept.

وأثناء مقابلته مع DarkMatter، عرَّف ممثل الشركة العميل على أنه الحكومة الإماراتية.

ووفقاً لما كتبه مارغريتيلي في المنشور على مدونته بعد هذه التجربة فقد قال ممثل الشركة: “تخيل أنَّ هناك شخصا في مول دبي هو موضوع اهتمام (بالنسبة لنا)، لقد زرعنا بالفعل كل المجسات الخاصة بنا في أنحاء المدينة، نضغط على زر ثم يحدث الأمر! تخترق كل الأجهزة في المركز التجاري ويمكن تعقبها”.

رفض مارغريتيلي العمل على المشروع. لكن مشروع DarkMatter استمر وعلى الأرجح اكتمل أيضاً.

في 25 أبريل/نيسان عام 2017، وقعت DarkMatter “مذكرة تفاهم استراتيجية عالمية” مع شركة Huawei لأنظمة “البيانات الضخمة” وحلول “المدينة الذكية”. تعرضت Huawei مؤخراً لهجوم شديد لتجسسها المزعوم لصالح الشركات والخطر الذي تمثله على “أمن البنية التحتية”.

تتمتع Huawei بحظوة كبيرة لدى الحكومة الصينية لدورها في مبادرة الحزام والطريق. ويتمثل أحد المشروعات المميزة لهذه المبادرة في نظام لحالات الطوارئ الوطنية جرى تطويره في الإكوادور. استثمرت Huawei ببذخ في النظام، إضافة إلى معدات المراقبة وتقنية التعرف على الوجه ووحدات التحكم في الوصول اللاسلكي.

تشكل إمكانية نقل تقنية سرية بناها عملاء مخابرات سابقون لديهم إمكانية الوصول إلى وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية كوابيس لصناع القرارات المتعلقة بالأمن القومي في الولايات المتحدة.

لكن في ظل وجود رقابة ضئيلة بجانب الحكومة الإماراتية، لم يمثل هذا مصدر قلق.

ولم تحصل TRT World على إجابة عندما تواصلت مع المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الإماراتية.

“طفح الكيل”

لم تكن ستراود لتصمد طويلاً في DarkMatter بعدما تركت Cyberpoint.

أثناء عملها لدى DarkMatter، سرعان ما اكتشفت ستراود انتهاكات استغلال السلطة التي بررتها بأنها في سبيل مكافحة الإرهاب والأمن لفترة ما. استمر هذا لحين اكتشفت أن مشروع رافين كان أيضاً يتجسس على الأمريكيين.

بعدما أثارت هذا الأمر مرتين، فُصلَّت وطردت من المبنى، وفي نهاية المطاف قررت مصارحة العالم بحقيقة ما حدث.

وقالت لوكالة رويترز: “أعمل لدى وكالة استخبارات أجنبية تستهدف الأمريكيين، أنا رسمياً جاسوية من الطراز السيء”.

ووفقاً لموظفين سابقين في مشروع رافين، فمكتب التحقيقات الفيدرالي يحقق حالياً في ما إذا كان عملاء مخابرات أمريكيون سابقون سربوا معلومات أو تقنيات أمريكية سرية، أو استهدفوا بطريقة غير شرعية شبكات أمريكية أثناء عملهم.

تواصلت TRT World مع مكتب التحقيقات الفيدرالي للتعليق، الذي قال إنه “ليس بإمكانه تأكيد أن نفي” ما إذا كان هناك تحقيق قائم. وعندما سئل مكتب التحقيقات عن حقيقة مزاعم الموظفين السابقين، قال المتحدث الرسمي إنه “لا يمكنه التعليق على التحقيقات الجارية” في هذا الوقت.

الطريق يصبح أكثر وعورة

بطريقة لا يمكن مضاهاتها، لم تشعل الإمارات فقط حرباً سيبرانية وتبني قدرات تجسس، ولكنها لجأت أيضاً إلى فرق القتل والمرتزقة الكولومبية، ووظفت جنرالات أمريكيين سابقين لكي يقودوا قواتها.

كان أحد الشخصيات الرئيسية في التوسع العسكري والحرب الإلكترونية في الإمارات هو تاجر الأسلحة الإسرائيلي الملياردير ورجل الأعمال في مجال المخابرات ماتي كوخافي.

وتتخصص شركته AGT International في “المدن الذكية”. في 2017، تقاربت الإمارات مع شركة كوخافي 4D Security Solutions لتطوير نظام مراقبة “ذكي” في أبوظبي. وفازت شركة AGT International بعقد المشروع الذي تبلغ قيمته 6 مليارات دولار.

بحلول العام 2016، منح كوخافي حكام الإمارات نظام FalconEye، وهو عبارة عن مجموعة كاميرات ومجسات تعمل بالذكاء الاصطناعي مكنَّتهم من تطبيق رقابة شاملة سمح لهم من مراقبة كل شيء يحدث في الإمارات.

يعتمد موظفو كوخافي إلى حد كبير على الموساد الإسرائيلي وعملاء الشين بيت أو الشاباك. ومن بين مستشاري كوخافي اللواء عاموس مالكا الذي ترأس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية من العام 1998.

وعلى الرغم من عدم وجود علاقات رسمية مع إسرائيل، فجزء كبير من العلاقات السرية مع الأمن الإسرائيلي تأسس بمساعدة محمود دحلان الشخصية البارزة بالاستخبارات الفلسطينية. ودحلان، الذي كان رجلا أمنيا قويا في السلطة الفلسطينية، كان في المنفى في الإمارات منذ العام 2011 وعمل مستشارا أمنيا لولي العهد الإماراتي محمد بن زايد.

إلى أي حد كانت واشنطن على علم بما يحدث؟

رفضت كل من وكالة الأمن القومي ووزارة الخارجية الأمريكية التعليق على مشروع رافين مع اتساع نطاق الفضيحة على خلفية التسريبات الأخيرة.

وفي حين أن الإدارة الأمريكية لم تتورط بأي شكل مباشر في التجسس، أعتقد موظفو مشروع رافين أن الحكومة الأمريكية باركت أنشطتهم.

وجاء تقرير وكالة رويترز بعد تسريبات سنودن بشكل ملائم، ما أدى إلى وجود ضوابط وقيود أشد على الاستخبارات، وهو ما كان المتعاقدون السابقون مع وكالة الأمن القومي حذرين بشأنه على الأخص.

حربٌ موكلة إلى الشركات

تقدم صناعة الدفاع الأمريكية والمتعهدون العسكريون خدماتٍ كثيرة مختلفة للإمارات. من هؤلاء المتعهدين إيريك برينس، مالك شركة Frontier Group، التي كانت تُعرَف سابقاً باسم Blackwater. قدَّم برينس تدريباً لمرتزقةٍ من جنوب أمريكا للمشاركة في حرب التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات في اليمن مقابل 529 مليون دولار.

وهناك أيضاً شركة Spear Operations Group، التي أسسها أبراهام غولان، المتعهد الإسرائيلي في مجال الأمن. وفرت تلك الشركة للإمارات قوةً ضاربة تتكون من جنودٍ أمريكيين قدامى، نفذت “عمليات اغتيال تستهدف أشخاصا رفيعي المستوى” وفقاً لما اعترف به غولان مؤخراً، وكانت تلك القوة مسؤولةً عن اغتيال انصاف علي مايو، الزعيم في حزب الإصلاح اليمني.

ووافقت وزارة الدفاع الأمريكية نفسها على مبيعات أسلحة للإمارات وصفقات دفاعية بقيمة 27 مليار دولار منذ 2009.

ويخدم عددٌ كبير من الجنرالات الأمريكيين السابقين وشخصيات بارزة في الجيش الأمريكي في مواقع قيادية في الجيش الإماراتي. من هؤلاء اللواء الطيار ستيفن توماجان، قائد قيادة الطيران المشترك الإماراتية في اليمن.

وجديرٌ بالذكر أنَّ أحد المسؤولين عن التأكد من التزام توماجان باللوائح الأمريكية استقال من منصبه، لأنَّ الأخير لم يوفر له إمكانية الوصول إلى المعلومات الكافية للتأكد من التزامه هو والقيادة باللوائح.

ومن هؤلاء العسكريين الأمريكيين أيضاً الأميرال السابق روبرت هاروارد، الضابط السابق بسلاح البحرية، الذي رفض العمل مستشاراً للأمن القومي للرئيس الأمريكي، وفضل بدلاً من ذلك تولي عمليات شركة Lockheed Martin في الإمارات.

وهناك أمثلةٌ أخرى كثيرة. منها الجنرال السابق ستانلي ماكريستال، الذي كان يقود في الماضي القوات الأمريكية في أفغانستان، لكنَّه اضطر إلى الاستقالة بعد تقريرٍ فاضح نشرته عنه مجلة Rolling Stone، ليخدم بعدها في المجلس الاستشاري لشركة Knowledge International، التي وظفتها الإمارات لتغطية عمل توماجان وحملتها في اليمن. ويشاركه في المجلس الجنرال دوغ براون.

وحين سُئِل كيف يمكن لتوماجان أن يخدم كجنرالٍ في جيشٍ أجنبي، أجاب قائلاً: “أعتقد أنِّي لن أجيب على هذا السؤال”.

وحتى الجنرال جيمس ماتيس، بعد استقالته من سلاح البحرية الأمريكية، خدم كمستشارٍ للإمارات قبل ترشيح ترامب إياه وزيراً للدفاع.

اسبرطة الصغيرة

ما زال من غير الواضح إلى أين ستصل الإمارات في سعيها لتحديث جيشها وقدراتها الإلكترونية. لكن من ناحيةٍ أخرى، رسخت الإمارات بالفعل مكانتها كوسيطٍ في المنطقة ولاعبٍ إقليمي.

ورغم ذلك تُناقِض الانتهاكات الإماراتية المتكررة لسيادة الدول الأخرى وحقوق الإنسان مزاعمها بأنَّها الدولة التقدمية الوحيدة في المنطقة، وأكثرها تسامحاً.

*trt