ظهرت في “أبوظبي”… تفاصيل سرقة 33 ألف قطعة أثرية من المتحف المصري

محرر 220 سبتمبر 2017
ظهرت في “أبوظبي”… تفاصيل سرقة 33 ألف قطعة أثرية من المتحف المصري

عدن نيوز - متابعات:

في يناير/كانون الثاني 2011 وأثناء الثورة كنت نائماً على الرصيف المقابل للمتحف المصري على أطراف ميدان التحرير مع مجموعة من الأصدقاء، ودبابات الجيش ترابط أمامنا، كنا شاكرين جداً لوجودها آنذاك، اعتقدنا أن المتحف المصري بمحتوياته العظيمة في مأمن، لكننا اليوم نعتقد أن ذلك اليوم في 2011 كان بداية السرقة لمحتويات المتحف، ناهيك عن محتويات الوطن أجمع.

في جمعة الغضب 28 يناير 2011 كان المتظاهرون يحاولون الوصول إلى ميدان التحرير من كافة النواحي، ولكن الزخم الأساسي كان من طرفين رئيسيين؛ كوبري قصر النيل، وشارع رمسيس.

متظاهرو شارع رمسيس، وكنت أحدهم، استطاعوا الوصول إلى الميدان مع أذان المغرب، نهاية ذلك اليوم بعد مواجهاتنا المشهورة مع الشرطة، التي كانت تقوم بحماية مداخل التحرير، وعلى رأسها المدخل الشمالي، الذي يقع فيه المتحف المصري.

لاحقاً أعلن زاهي حواس، وزير الآثار، عن سرقة 18 قطعة أثرية من المتحف المصري على يد من وصفهم بالمخربين، الذين اقتحموا الميدان ذلك اليوم، هؤلاء المخربون المقصود بهم متظاهرو يناير، وقد كنت بينهم على أبواب المتحف ذلك اليوم، وشاهدت كيف وقف الشباب لحماية المتحف حتى من أنفسهم، والكل يعرف العاطفة المصرية التي سيطرت على آل يناير، ولمحاولة معرفة هؤلاء المخربين يمكننا أن نتقدم بالزمن قليلاً إلى أحداث كشوف العذرية الشهيرة؛ حيث اتضح لنا أن مَن كان يتمركز بالمتحف المصري منذ أول يوم لاندلاع الثورة كانت المخابرات الحربية المصرية، هل تذكرون من كان رئيس هذه المخابرات آنذاك؟ نعم هو بعينه.. عبد الفتاح السيسي.

إذا كانت مخابرات السيسي هناك وتمت سرقة هذا التمثال للفرعون اخناتون يحمل مائدة قرابين.
01

وهذا التمثال للملك توت وهو يصطاد السمك برمح.
02

وتمثال آخر للملك توت محمولاً على رأس آلهة نُهب من المتحف.
03

من بين المسروقات يومها، حسب بيان حواس، تابوت لإحدى الأميرات من عصر العمارنة، تذكرت هذا وأنا أطالع موقع المتحف وأجد هذه الصورة، فهل تتطابق الأوصاف؟
03
وهل نجد من علماء المصريات من يذهب إلى المتحف ليقارن بين المسروقات الـ18 التي نملك صورها بالفعل وبين محتويات المتحف الإماراتي؟

ليت الأمر كان بهذه البساطة، فالمسروق من المتحف المصري يتجاوز هذا العدد بكثير، ولنذهب أبعد من ذلك وإلى شهر يوليو/تموز 2011؛ حيث كانت المعركة مع الدولة العميقة في بدايتها، حسب ما كنا نعتقد، عقد الدكتور عبد الرحمن العايدي، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، مؤتمراً صحفياً أمام مقر ديوان المجلس الأعلى للآثار، وذلك إبان محاولات إلغاء الوزارة لتفاصيل لا أذكرها، ولكن ما أذكره جيداً هو القائمة السوداء التي أعلنها د. العايدي والمتهمين بالفساد في الوزارة؛ حيث قال يومها إن سرقة المتحف المصري إبان الثورة كانت مخططة جيداً وبتنسيق مع شخصيات فاسدة في الوزارة، وبيان حواس قال: إن المسروقات 18 بينما وصل المفقود في الجرد لاحقاً إلى 52 قطعة، وإن كاميرات المتحف المصري قوية للغاية، وكانت قد كلفت وزارة الآثار ملايين الجنيهات لتركيبها (أتذكر تحديداً أنه قال 80 مليون جنيه)، وهي قادرة على كشف وجوه السارقين، وإن هناك من تعمد إخفاء الفيديوهات التي تم تصويرها للسرقة.

وبالحديث عن كاميرات المتحف ننتقل بالزمن إلى شهر يونيو/حزيران الماضي مباشرة؛ حيثأعلنت وزارة الآثار أن “شائعة” قرار بعدم تركيب كاميرات في المخازن المتحفية عار من الصحة، وذلك عقب تداول هذا القرار على وسائل التواصل الاجتماعي من قِبل نشطاء مصريين.

الطريف في بيان الآثار الذي جاء على لسان المهندس وعد أبو العلا، رئيس قطاع المشروعات بوزارة الآثار، أنه قال إن المخازن المتحفية تتم مراقبتها عن طريق أفراد الأمن التابعين للوزارة، لحظة بلحظة، وذلك من باب “حتى إن لم توجد كاميرات فهناك رجال أمن”، وهو ما يذكرنا بالمثل المصري “أعطوا القط مفتاح الكرار”.

نشطاء التواصل الاجتماعي قالوا إن هناك عملاً جارياً بالفعل لإزالة كاميرات المراقبة من مخازن المتحف المصري، وذلك في مطلع شهر يونيو، المفارقة العجيبة حقاً في هذا الأمر هو حدث آخر مرتبط بالآثار حدث في ذات اليوم الذي أصدر فيه أبو العلا بيان الآثار.
عبد الفتاح السيسي يعلن في نفس اليوم 16 يونيو موافقته على ترؤس مجلس أمناء المتحف المصري الكبير “لا نعلم من طلب منه حتى وافق” وبذلك ينصب نفسه مديراً لأهم كنز تاريخي في العالم، نعم السيسي الذي باع الجزر إلى السعودية “بتراب الفلوس” قرر تولّي إدارة الكنز المصري الأهم على الإطلاق، أعتقد أن مثال “القط والكرار” يصبح واقعياً أكثر من هذا الخبر.

أمر آخر يضاف إلى هذا السيناريو، وهو منع التصوير تماماً منذ يناير 2016 داخل المتحف المصري، فيما قيل إنه لحماية الاثار من “فلاش” الكاميرات.. نعتقد الآن أنه كان لعدم توثيق محتويات المتحف، أو ربما لحماية سارقي المتحف من آثار الكاميرا.

نأتي إلى شهر أغسطس/آب وبعد شهرين فقط من تولّي القط رئاسة مجلس أمناء الكرار، وبعد ما قيل عن إزالة كاميرات المخازن المتحفية، يخرج الخبر الكارثي في تقرير أعدته إدارة المخازن المتحفية ذاتها ليعلن الآتي:
“اختفاء 33 ألف قطعة أثرية مصرية.. أغلبها سرق من المخازن المتحفية، وتم بيعها خارج البلاد” بحسب البيان.

كشف التقرير في تفاصيله عن اختفاء 370 قطعة أثرية من مخزن أطفيح جنوب محافظة الجيزة، و35 قطعة من مخزن تل الفراعين بكفر الشيخ، و34 قطعة من المخزن المتحفي بالداخلة بمصر الوسطى، و26 قطعة من مخزن كوم أوشيم بالفيوم، و52 من مخزن أبو الجود بمصر الوسطى، و238 قطعة من مخزن منطقة آثار ميت رهينة بالجيزة، و96 قطعة من مخازن أسوان، و157 من منطقة سقارة الشهيرة بالجيزة، مضيفاً: “يبلغ عدد المخازن الأثرية 72 مخزناً، منها 35 مخزناً متحفياً، و20 مخزناً لآثار البعثات، و17 مخزناً فرعياً بالمواقع في كل محافظات مصر”، لافتا إلى أن “هناك الآلاف من القطع الأثرية غير مسجلة داخل وزارة الآثار، فثمة مخازن أثرية كاملة لم يتم جردها من قبل، ومن دون تسجيلها وتوثيقها في سجلات وزارة الآثار لن تستطيع الوزارة استردادها مرة أخرى”.

كان هذا التقرير في يوم 18 أغسطس 2017، هل تريد مفارقة أخرى غريبة؟

قبل بداية أغسطس ذاته انقطعت الكهرباء بالكامل لمدة ساعة وعشرين دقيقة عن مبنى الركاب 3 بمطار القاهرة!
ساعة وعشرين دقيقة كاملة في أهم مطارات البلد بدون كهرباء!

ثم هذا الأسبوع يحتفل ابن زايد بمتحفه الجديد في أبوظبي ويسميه لوفر أبوظبي ويستهل قاعته الكبرى بتمثال يبدو لنا مألوفاً.

06
إيزيس ترضع ابنها حورس

أمعن النظر جيداً في التمثال، ثم انظر إلى هذا التمثال الموجود في متحف اللوفر الفرنسي:
07

ليسا نفس التمثال تمثال باريس حجر أسود بينما الآخر برونزي اللون، إذا لم تتم إعارته من لوفر باريس فمن أين جاء؟
حسناً اقرأ الخبر التالي الذي جاء في برنامج شريف عامر على قناة mbc مصر في يوليو 2017 “أعلنت وزارة الآثار يوم الإثنين عبر صفحتها الرسمية على ” الفيسبوك” عن إحباط محاولة سرقة تمثال إيزيس، وهي ترضع ابنها من متحف النوبة بأسوان، بالتعاون مع شرطة السياحة والآثار، بعد تصوير الكاميرات فتح موظف من المحتف لـ 3 أشخاص بالزيارة في غير الأوقات الرسمية”.
الآن انظر إلى التمثال الذي تم إحباط سرقته.. انظر إلى اللون، هل يبدو لك برونزياً؟ هل يذكرك بشيء ما؟
isis

نعم يبدو تماماً كتمثال لوفر أبوظبي.

إذا أحبطت الكاميرات سرقة التمثال من قبل الموظف “الأمن”، جاء السيسي إلى إدارة المخازن المتحفية، ألغى الكاميرات، ثم “بقدرة قادر” يظهر التمثال في لوفر أبوظبي، ومعه مومياوات وتماثيل فرعونية يقف أمامها بن زايد؛ ليقول إنها “تجسد رؤية الإمارات في نشر التسامح وتعزيز آفاق التواصل الثقافي”.

نعم نفهم تماماً، هذه هي رؤية إمارات بن زايد بالفعل سرقة التاريخ من مصر والجغرافيا من موانئ اليمن.
هل ما زلت تراودك الشكوك في صحة السيناريو؟ حسنا سأعترف، أنا لست أول مَن تساءل عن كيفية وصول آثارنا إلى لوفر بن زايد، إنما سبقني عبد الناصر سلامة، رئيس التحرير الأسبق لصحيفة “الأهرام”، وأحد رجالات السيسي، بمقال على موقع المصري اليوم المؤيد للسيسي، بعنوان : بلاغ إلى النائب العام، قال فيه إن “المتحف الإماراتي يضم العديد من الآثار الفرعونية المصرية”، مشككاً في كيفية خروجها من مصر، الظريف في الأمر أن سلامة طالب السيسي بالتدخل بوصفه يشغل منصب رئيس مجلس أمناء المتحف المصري الكبير، هل تريد أن تعلم كيف تدخل السيسي؟ يمكنك ببحث بسيط في أرشيف عبد الناصر سلامة على موقع المصري اليوم أن تدرك أن المقال تم حذفه، نعم هذا هو الظريف في الأمر.

هناك قول مشهور منذ عهد مبارك البائس يقول إن الدليل على أن مصر بلد غني، هي أنها تتم سرقتها منذ عهود وعهود، ورغم ذلك لا تزال قائمة لم تنهَر، قد يعطيك هذا المثال مبرراً داخلياً للصمت على سرقة 33 ألف قطعة أثرية مصرية ملك لك أنت كمصري وكإنسان.

لكن بالتأكيد أن مَن باع الأرض، وباع الآثار، قريباً “وحرفياً” سيبيع الإنسان.

*هافينغتون بوست عربي

 
رابط مختصر