ميناء الحديدة في اليمن.. محور الحرب والمفاوضات السياسية

آخر تحديث : السبت 7 يوليو 2018 - 7:19 صباحًا
ميناء الحديدة في اليمن.. محور الحرب والمفاوضات السياسية
محمود الظاهر
محمود الظاهر

عدن نيوز - مقالات

رفضت المليشيات الحوثية الموالية لإيران مساع المبعوث الأممي إلى اليمن البريطاني مارتن غريفيت لإحلال السلام في البلاد التي تعاني من أزمة سياسية وإنسانية وعسكرية منذ 26 مارس 2015، حينما أعلنت المملكة العربية السعودية تشكيل تحالف عربي مكون من تسع دول لإعادة الشرعية في اليمن الذي أنقضت عليه المليشيات الحوثية في 21 سبتمبر 2014.

تصر مليشيا الحوثي على أن تشرف الأمم المتحدة بثلاثة موظفين من قبلها على واردات ميناء الحديدة مقابل انسحاب القوات المشتركة اليمنية (حراس الجمهورية وألوية العمالقة والمقاومة التهامية) من مطار الحديدة والمناطق التي تم السيطرة عليها على امتدادا الشريط الساحلي للمحافظة الإستراتيجية والشريان الحيوي للحوثيين، إضافة إلى فتح مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات المدنية، وتوريد مرتبات موظفي الدولة إلى البنك المركزي اليمني بالعاصمة صنعاء.

شروط تعجيزية، تشير إلى أن الحوثيين غير جادين بالسلام، لاسيما وأن التحشيد والحشد العسكري مستمر من قبلهم إلى جبهات الحديدة التي من المتوقع أن تنطلق بعد جلسة مجلس الأمن الدولي، وهي الفرصة الأخيرة التي منحها التحالف العربي للحوثيين من أجل تسليم مدينة الحديدة إلى الحكومة الشرعية دون قتال.

لكن المبعوث الأممي يبدو أنه يمارس عملية تضليل واسعة على الرأي العام العالمي واليمني بوجه الخصوص حينما يتحدث أن المشاورات أو أن الإطراف اليمنية ستعود إلى طاولة الحوار خلال أسابيع قليلة، وهذا ما بدا واضحًا من خلال رفض الحوثيين لأي حوار طالما لم يتم العمل بشروطهم التعجيزية، ونفس الحال، تتحدث الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي تؤكد أن لا حوار إلا بعد تسليم الحوثيين لمحافظة الحديدة، ولن يكون هناك أي حوار يخالف القرارات الدولية وخصوصًا القرار الأممي 2216، واتفاق السلم والشراكة الذي وقع بين الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والمكونات السياسية اليمنية ومليشيات الحوثي في 2014 بعد اقتحامها صنعاء، إضافة إلى مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآلياتها التنفيذية التي وقعت عليها الأطراف السياسية اليمنية مع الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح في 2012 بالعاصمة السعودية الرياض، وبناءً عليه تم انتخاب الرئيس هادي رئيسًا انتقاليًا للجمهورية اليمنية.

ووفقًا لحديث المبعوث الأممي لوسائل إعلام أثناء مغادرته صنعاء، فإنه سيُطلع مجلس الأمن الدولي اليوم الخميس 5 يوليو 2018، على نتائج المباحثات التي أجراها في صنعاء وعدن، وذلك غداة مغادرته العاصمة اليمنية؛ حيث التقى زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي.

وأعلن المبعوث الأممي أنه سيعود إلى عدن للقاء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي مجدداً، بعدما يدلي بإحاطته لمجلس الأمن. وقال غريفيث إنه يتطلع للعمل مع جميع الأطراف، من أجل إيجاد حل يعيد أولاً الأمن والاستقرار إلى الحديدة، ويخلق أيضاً ظروفاً إيجابية لإعادة إطلاق محادثات سلام في الأيام المقبلة.

من خلال تصريحاته الصحفية، تدل التناقض الصريح لشخصية المبعوث الأممي إلى اليمن، حينما يقول جازمًا أن الأطراف اليمنية مستعدة للمفاوضات السياسية وإنهاء المعاناة الإنسانية للشعب اليمني، بل يؤكد أن المتحاربين أكدوا له بالجلوس إلى طاولة الحوار خلال أسبوعين فقط، ويعود ويتحدث بأنه يتطلع للعمل مع جميع الأطراف من أجل حل يعيد الأمن والاستقرار للحديدة!

يتحدث مارتن غريفيث إنه التقى في صنعاء مع مكون حزب المؤتمر الشعبي العام في صنعاء نسخة الحوثيين، ويقول إنه اجتمع معهم لمناقشة كيفية إخراج اليمن من المأزق الذي تمر به البلاد منذ 2014، وهذا سراب يسوقه المبعوث ويريد أن يقنع العالم أن المؤتمر الشعبي العام التي ترضخ قياداته للإقامة الجبرية لديه قرار سياسي، ويمكن أن يكون مساهمًا في الحوار، فمؤتمر صنعاء (نسخة الحوثيين) قراراته تأتي من كهوف صعدة، وليس من اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام التي تعيش خارج اليمن.

فمنذ أن قتل الحوثيين الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، أصبح المؤتمر الشعبي العام مشتت لا وجود لقياداته المؤثرة التي يمكن أن يكون لها قرار سياسي مسئول، بل أصبحت تحت الوصايا، لكن ما يؤمل منه هي تلك القيادات التي تؤكد على “الاستمرار على نهج صالح في مقارعة الحوثيين من أجل الحفاظ على الجمهورية اليمنية”. 

وبينما المبعوث الأممي إلى اليمن يسوق حديثه بأنه استطاع أن يقنع الأطراف السياسية في اليمن على الجلوس على طاولة مستديرة للحوار، تعج داخل الحركة الحوثية صراعات بين أجنحة الميليشيات وتتفاقم أزمة عدم الثقة في القيادات المحسوبة على حزب «المؤتمر الشعبي»، دفعت الجماعة الحوثية إلى الاكتفاء بحكومة ظل مصغرة، تتبع رئيس مجلس حكمها وصهر زعيمها مهدي المشاط.

ذلك الصراع أدى إلى توقف حكومة صنعاء غير المعترف بها دوليًا عن عقد اجتماعاتها الأسبوعية كما جرت العادة، وتحديدًا منذ أن قتلت الجماعة صالح الصماد، ونصبت مكانه مهدي المشاط مدير مكتب زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، والذي  كلف حكومة ظل مصغرة من وزراء الجماعة الطائفيين باتخاذ القرارات المهمة تحت إشرافه، وترك القضايا الهامشية لرئيس حكومة صنعاء عبد العزيز بن حبتور.

الحراك داخل الحركة

وفقًا لمصادر “نون بوست” فإن الحركة الحوثية تعاني من أزمة داخلها والتي انبثق عنها أجنحة متصارعة عدة بسبب الفساد المالي والإداري التي تمارسه إضافة إلى السرقات ونهب المواطنين والذي أدى إلى بزوغ أثرياء منهم خلال فترة الحرب منذ مارس 2015.

المصادر تقول إن الخلافات الحادة، اندلعت بين القيادات الحوثية بعضها يرفض أي حوار مع ما أسموه (العدوان السعودي) وبعضهم يريد المراوغة من أجل لملمة صفوفهم، ويظهرون أمام المبعوث الأممي أنهم على استعداد تام للامتثال للقرارات الدولية حتى يستطيعوا كسب المزيد من الوقت لحرف الخنادق وتلغيم الأرض ليمثل ذلك إعاقة كبيرة للقوات المتقدمة نحو ميناء الحديدة في اليمن، بينما البعض الآخر وهو الجناح المعتدل يبحث عن حوار مشرف، وإرسال للعالم رسالة أن الحوثيين أصحاب سلام ولا يحملون الفكر العسكري، وهو ما تعارض هذه الفكرة الأجنحة الأخرى والتي ترى أن أي تنازل عن شبر واحد، هو خيانة لما يقولوه (الحسين بن علي بن أبي طالب) وفقًا للمصدر الذي فضل عدم الإفصاح عن هويته لموقعه في حكومة المليشيات الحوثية.

استعداد عسكري متوصل

وبينما ينتظر اليمنيين إفادة المبعوث الأممي مارتن غريفيت التي سيقدمها إلى مجلي الأمن الدولي، تحركت في الساعات الأولى من صباح يوم الخميس 5 يوليو 2018 قوات عسكرية ضخمة  من المقاومة الوطنية المشتركة التي تدربها الإمارات العربية المتحدة، نحو جبهة الساحل الغربي لتأمين خطوط إمداد قوات الجيش والمقاومة  بين المخاء ومدينة الحديدة وتعزيز قوات الجيش والمقاومة المتمركزة في مطار الحديدة، والاستعداد لساعة الصفر والتحرك نحو ميناء الحديدة التي ترفض المليشيات الحوثية الانسحاب منه. 

في المقابل، يواصل الحوثيين حشد الأطفال والتصعيد العسكري، لتعزيز تحصيناتها في الحديدة، مستغلةً توقف العمليات العسكرية. وهذا ما يفسر حديث المبعوث الأممي إلى اليمن البريطاني مارت غريفيث أن الجماعة الحوثية أبدت مرونة تجاه المقترحات الأممية لإحياء المسار السياسي، والتي تعني أنهم تعمدوا ذلك من أجل اقتناص الفرصة لالتقاط الأنفاس وترتيب أوراقها السياسية والعسكرية.

بكل تأكيد سيفشل البمعوث الأممي وستفشل كافة المفاوضات السياسية نتيجة لما تحمله الجماعة من تقلبات في مواقفها السياسية والعسكرية منذ 2003، والشواهد والأحداث تقول إن الحوثيين لم يقدموا أي تنازلات إلا بالقوة العسكرية، لكن نستبعد أن يتم الحوار السياسي مع الجماعة الموالية لإيران، لأن أن هذا الطرح يحوى مجازفات عدة بأمن الخليج والسعودية على وجه الخصوص, فاستمرار الجماعة كقوة عسكرية ومتحكمة في تقاليد اليمن، يضع المنطقة أمام سيناريو حزب الله في لبنان عندها يكون القبول بإيران كجار جنوبي  للمملكة أمر حتمي, والسعودية لن تسمح بتمدد إيراني، وهذا ما يتحدث عنه المسئولين في المملكة العربية السعودية ويدركون خطر بقاء المليشيات الموالية لإيران تتحكم بمصير اليمن السياسي والعسكري.

لذلك يبدو الحسم العسكري محسومًا، لضمان تحقيق السلم المحلي والإقليمي وعدم المساس بالهوية اليمنية والعربية وفقا لتقدير التحالف العربي والحكومة الشرعية، وأن ذلك الحسم لن يبدأ إلا بخنق المليشيات من خلال تحرير محافظة الحديدة، وحصارها في جبال صنعاء وصعدة، وإدخالها في مرحلة استنزاف داخلي إلى أن تتوارى وتنتهي تدريجيًا.

ميناء الحديدة هو محور أي حوار سياسي قادم أو معركة عسكرية، فإن سلمه الحوثيين إلى الحكومة الشرعية، فإنهم رابحون، حيث سيتم الضغط على الحكومة الشرعية والتحالف العربي بعد الضغط العسكري ومواصلة التقدم نحو صنعاء بحكم أن الحوثيين امتثلوا للمجتمع الدولي وأبدوا حسن النية، كما سيضمن بقائهم مشاركين في السلطة كقوة عسكرية وسياسية ستكون أشبه بحزب الله.

وتوقيف الحرب في الحديدة من خلال تسليم المدينة والميناء إلى الحكومة الشرعية سيؤدي إلى فرض التفاوض مع الحوثيين بشكل عام والقبول بالحل السياسي وهو ما سيشرعن قوتهم العسكرية ويضمن لهم حصة في الحكم دون دفع كلفة الحرب التي شنوها على اليمن واليمنيين.

وفي حال رفضها، فإن تحرير ميناء الحديدة ومدينتها سيكون هو السبيل الأمثل وفقًا لتصورات وضعها التحالف العربي بقيادة السعودية، ولن تستطيع المليشيا الحوثية من الصمود أمام القوة العسكرية لدول التحالف لاسيما وأن الحديدة ليس حاضنة شعبية لهم، وذلك سيكون بداية النهاية للحركة الحوثية.

رابط مختصر
2018-07-07 2018-07-07
عبده عثمان