الإمارات: أزمة هُوية وتاريخ ملتبس

25 سبتمبر 2019
الإمارات: أزمة هُوية وتاريخ ملتبس
عدن نيوز: مقالات
هلال سالم
هلال سالم

في مطلع تسعينات القرن الماضي استقر لدى القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة أنها لا بد أن تهتم بالجوانب التاريخية والثقافية وأن تدرج كل ذلك في مناهجها. فالدولة لا تستقيم بدون أن يكون لها تاريخ ويكون لها ثقافة تعزز الجوانب الوطنية وتنمي حس الاعتزاز بالكيان السياسي. وكان المشهد العام يتحدث عن مرحلة جديدة، مرحلة العولمة التي لم تتضح معالمها بشكل كاف.. ولكن الخطاب المطروح في ذلك الوقت هو أن الثقافات الوطنية الصغيرة تذوب بشكل تلقائي في الثقافات الكبيرة وأن من لا ثقافة له لن يصمد كثيرا في هذا العالم المتغير. وسيذوب حتى سياسيا.

كان العراق قد ارتكب غلطته الكبرى حينما غزى الكويت. وكان الدكتور النفيسي قد طرح قبل ذلك فكرة تغيير معالم منطقة الخليج العربي، بانضمام الكويت إلى العراق والبحرين وقطر إلى السعودية والإمارات تعود تلقائيا إلى عُمان باعتباره في الأساس جزء منها انفصلت ككيان سياسي نهاية عام 1971 مع اكتمال انسحاب بريطانيا من منطقة شرق السويس.. وفي الحقيقة كان هذا الخطاب موجود في ردهات السياسة الأمريكية ليتحقق في المرحلة التي تعقب السقوط الفعلي للاتحاد السوفييتي.

شعرت الأمارات أن وحدتها وثقافتها تمر بخطر كبير وبقاؤها على المحك الحقيقي، وها هي الكويت الأقدم منها ككيان سياسي مستقل في طريقها لتكون جزءا من العراق والسعودية في حراك مستمر لالتهام قطر، وستكون البحرين بالنسبة لها لقمة سهلة جدا. ولم تكن فكرة هذا التقسيم تدور في الغرف المغلقة بل تحول إلى مادى تنشر في الصحف اليومية العربية والأجنبية.. ويمكن الرجوع إلى جريدة القدس العربي في تلك المرحلة وإلى صحيفة واشنطن بوست ونيويورك تايمز، حتى أن مجلة مثل مجلة “ذا ويك” أفردت صفحات كاملة للحديث عن شكل الشرق الأوسط الجديد.

وفي اجتماع على مستوى القيادات شهدته العاصمة أبوظبي طرح فيه قضايا جوهرية بعضها سياسي وعسكري وبعضها ثقافي. وكان التوجيه واضحا إلى ضرورة أن يتم الاشتغال لتكون “للإمارات المتحدة” ثقافتها وتاريخها الذي يعتز ويفتخر به المواطن الإماراتي. وشكلت لجنة ضمت مواطنين وأكاديميين عرب بينهم أسماء صارت معروفة في المشهد العربي بشكل كبير لكتابة إستراتيجية ثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة. إلا أن هذه اللجنة وهذه الإستراتيجية اصطدمت بحقائق لم تعجب القيادة السياسية كثيرا.. وجدت اللجنة ان كل التاريخ الإماراتية وكل المكونات الثقافية هي مكونات “عمانية” التاريخ هو تاريخ عُمان، والثقافة هي ثقافة عمانية وكل شيء مرتبط من كل جوانبه بعُمان.

أثارت هذه النتائج خوفا كبيرا لدى القيادات العليا في دولة الإمارات باعتبار أن هذه النتائج تؤيد الخطاب السياسي السائد وتحقق جانبا من جوانبه.. لكن الشيخ زايد كان قائدا حكيما وقادرا على خلق توازنات مع دول الجوار.. وتوازنات عربية.. فحتى المملكة العربية السعودية التي كان يتوجس منها خيفة منذ ستينات القرن الماضي خوف ابتلاع إمارته والإمارات المجاورة له ضمن سياسة آل سعود التوسعية لبناء كيان عربي كبير قادر على الصمود.

وبدأ الشيخ زايد في المناورة والضغط من أجل أن تكون لمسقط سفارة في أبوظبي، وكثرت زياراته السريعة لمسقط، ووسط القاهرة وعواصم أخرى من أجل أن يوافق السلطان قابوس على فتح سفارة في أبوظبي تكن بمثابة الاعتراف الحقيقي بدولة الإمارات العربية المتحدة.. وافق السلطان قابوس على فتح السفارة لكنه اشترط أن يكون مستوى السفارات بين البلدين مختلف عن المعتاد. فعينت مسقط سفيرا في أبوظبي بدرجة وزير وكذلك فعلت أبو ظبي.

هذا المشهد خفف قليلا حدة التوتر والقلق الذي كانت تشعر به القيادة في أبوظبي.. لكن الشأن الثقافي ظل هاجسا كبيرا وحقيقيا.

في نهاية حقبة التسعينات وبداية الألفية الجديدة كان التوجه واضحا لدى القيادة الإماراتية إلى تبني تاريخ إمارات ساحل عُمان باعتباره تاريخا إماراتيا فقط ولا دخل لعُمان به من قريب أو بعيد. وبدأ ينسب كل شيء للإمارات.

والمفارقة أن المملكة العربية السعودية وهي وإن كانت ككيان سياسية بشكله الحالي لا يزيد عن 130 عاما وهي دولة قامت على بناء ممالك أخرى مثل مملكة نجد، والحجاز إلا أن العقل السعودي لم ينسب التاريخ القديم للسعودية ولكنه ما زال ينسبه للممالك السابقة. فلا يقال عن شاعر مثل عمرو بن أبي ربيعة بأنه شاعر سعودي رغم أنه عاش في مكة ولكن يقال عنه أنه شاعر أموي. وغير ذلك من الأمثلة، لكن الأمارات حولت البحار “العماني” أحمد بن ماجد إلى بحار إماراتي!!، ونسبت شخصيات أخرى إلى كيانها السياسي الجديد.. والشيء بالشيء يذكر فإن باكستان وهي دولة نووية كبرى تعاني من نفس المشكلة الثقافية ولكنها لم تنسب تاريخ الهند “يوم كانت باكستان جزء من الهند” لنفسها، بل الغريب أنها تحاول أن تتمسك بالثقافة العربية في منطقة شبه الجزيرة العربية وتلصق نفسها بالمملكة العربية السعودية وليس بالهند.

وفكرة الإمارات في تبني تاريخ إمارات ساحل عمان قد تكون صحيحة في جانب من جوانبها، لكنها الخطأ الكبير الذي وقعت فيه الإمارات هو نسفها لعلاقة كل ذلك التاريخ والأحداث بعُمان الكبرى، التي كانت مشيخات الإمارات تتبع لها سياسيا وماليا إلى مرحلة قريبة جدا من التاريخ.

لم يعجب هذا الأمر العمانيين وبدأوا يشعرون أن الإمارات تسرق تاريخهم وتسرق ثقافتهم وتسرق فنونهم. لكن الوضع في الإمارات كان مرضيا جدا”من الرضى وليس من المرض”، فالطالب بدأ يعرف أن لإماراته تاريخ مستقل وليس مرتبط بدولة أخرى أو بحضارة أكبر، وبدأ يعرف أنه كان له ثقل تاريخ بل كان مؤثرا في سيرورة أحداث المنطقة العربية، وبدأ الشعور الوطني يتنامى لدى الأجيال الجديدة التي عزلت عزلا تاما عن تاريخها الحقيقي المرتبط بالضرورة بعمان التاريخية.

لكن الأمر بدأ مزعجا بالنسبة للعمانيين وبدأت تنشأ حساسية مفرطة من كل ما تقدم عليه الإمارات وتكون له جذور مرتبطة بعُمان سواء كان تاريخا أو فنونا أو غيره.

في مرحلة لاحقة بدأت الإمارات تستغل الأمر استغلالا مختلفا، فلم يعد الأمر مجرد بحث عن هُوية او بحث عن تاريخ يستقيم به كيان سياسي ولكنه صار ورقة ممنهجة من شأنها أن تثير القلاقل وتزعج الأمن الاجتماعي متى ما طرحت، خاصة أن العمانيين صاروا أكثر حساسية وشراسة عندما يتعلق الأمر بتاريخهم.

ورغم أن سلطنة عمان تمتلك صورا ووثائقا تكشف كيف كان حكام مشيخات ساحل عُمان يأتون إلى مسقط لأخذ “شرهة” أخذ معونات لهم ولرعيتهم.. إلا أن السلطات تصر على عدم إبراز تلك الوثائق. رغم أن بعضها تسرب من المواطنين أنفسهم الذين كانوا يمتلكون مثل هذه الوثائق. وعندما بدأت بريطانيا في الكشف عن وثائقها السرية ظهرت الكثير من الحقائق التي لا يكاد يعرفها المواطنون في الإمارات. رغم أن الشيخ زايد والشيخ سلطان بن محمد القاسمي ومن قبله صقر القاسمي كانوا يقولون نحن عمانيين غير معترفين في جانب الهُوية بالكيان السياسي الجديد. وهناك كتب صدرت في أبوظبي تكشف الكثير من هذا الجانب قبل أن يتم سحبها من السوق.

يبدو هذا هو التحليل الأقرب لحالة الحساسية بين البلدين الذين يمكن أن نتعرف فيه على جذور المشكلة الحقيقية. والتي يمكن أن تلخص في عبارة “أزمة الهُوية” وهي أزمة خطيرة ولا يمكن الاستهانة بها.. ولذلك تبذلك القيادة في الإمارات جهودا كبيرة حتى لا تصل هذه الأزمة إلى تفتيت الشعور الوطني بقيمة الاتحاد.

بقلم :

بقلم - هلال سالم